فلسطين
سياسة

رافعات الموت في غزة: قنصٌ يهدد المدنيين رغم وقف إطلاق النار

الرسالة١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:١٤ م0 مشاهدة
رافعات الموت في غزة: قنصٌ يهدد المدنيين رغم وقف إطلاق النار

تنويه

هذا الخبر بعنوان "رافعات الموت في غزة.. قنصٌ يطارد المدنيين رغم وقف إطلاق النار - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في 19 أكتوبر 2026، الساعة 04:58 مساءً، يواجه سكان غزة، وخاصة في المناطق القريبة من «الخط الأصفر»، تهديدًا مستمرًا من الرافعات العسكرية الإسرائيلية المسلحة. شيماء عماد، التي انتقلت إلى شمال غزة قبل ثلاثة أشهر، تجد نفسها تعيش في منزل قريب من هذه الرافعات، مما يسرق نومها ويجعل أبسط تفاصيل حياتها محفوفة بالخطر. تصف شيماء ساعات الليل بأنها الأصعب، حيث يشتد خوفها مع سماع أصوات إطلاق النار، وسط تقارير عن إصابات بين المواطنين جراء نيران الرشاشات المثبتة على الرافعات. اقتراب هذه المنصات العسكرية من المناطق السكنية يحول حياتها إلى حالة من الترقب المستمر، فهي لا تعرف متى قد تطلق النار، أو أين يمكن أن تسقط الرصاصات. ورغم هذا الخوف، تجد شيماء نفسها مضطرة للبقاء في بقايا منزل زوجها، بدلًا من الانتقال إلى خيمة لا توفر الحماية اللازمة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء. وبين خيارين كلاهما قاسٍ، تحاول أن تتشبث بما تبقى من مأوى، فيما يظل خطر الرصاص حاضرًا في محيطها.

لا تبدو حكاية شيماء استثناءً في قطاع غزة، حيث تحولت الرافعات العسكرية الإسرائيلية المنتشرة بمحاذاة الخط الأصفر إلى مصدر تهديد يومي للفلسطينيين، بمن فيهم النازحون الذين لجؤوا إلى الخيام بحثًا عن مكان يأويهم، فإذا بالخطر يلاحقهم إلى داخلها.

منصات تراقب السكان وتلاحقهم

وفقًا لمعطيات صادرة عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، تنتشر 23 رافعة عسكرية (إسرائيلية) مسلحة في مواقع شرقي قطاع غزة. وتُستخدم هذه المنصات المرتفعة، التي يصل ارتفاع الواحدة منها إلى نحو 30 مترًا، في المراقبة وإطلاق النار، ما يمنحها قدرة على كشف مساحات واسعة من المناطق المحيطة بها. منذ ظهورها على نطاق واسع في منتصف يونيو/حزيران 2026، باتت هذه الرافعات جزءًا من المشهد العسكري الذي يحيط بتجمعات المدنيين ومناطق النزوح، وسط شهادات عن إطلاق النار باتجاه خيام ومنازل وشوارع، حتى في أماكن لا تشهد مواجهات مباشرة. بالنسبة إلى العائلات التي تعيش في المناطق القريبة من الخط الأصفر، لا تقتصر خطورة هذه المنصات على احتمال التعرض المباشر للرصاص؛ إذ يمتد أثرها إلى شعور دائم بانعدام الأمان، في ظل صعوبة تحديد مصدر النيران أو توقع لحظة إطلاقها. وتزداد خطورة هذا الواقع مع تضرر مساحات واسعة من القطاع، وضيق الخيارات المتاحة أمام السكان للانتقال إلى أماكن أكثر أمانًا. فحتى الخيمة، التي يفترض أن تكون ملاذًا مؤقتًا للنازحين، لا توفر حماية من الرصاص المنطلق من مواقع مرتفعة تطل على محيطها.

رصاص يقتحم الخيام ويحصد الأرواح

خلف هذه المنصات، تتكرر حكايات الخوف والفقد، حيث لم تعد جدران المنازل أو أقمشة الخيام تحول دون وصول الرصاص إلى المدنيين. يعيش المواطن غسان تجربة قاسية بعدما استُشهد طفله أمام عينيه في المنطقة التي كان الأطفال يلهون فيها. ومنذ ذلك الحين، بات الخوف على بقية أفراد أسرته جزءًا من يومه، إذ يحاول حماية زوجته وأطفاله بالاحتماء في زاوية ضيقة خلف الخيمة، كلما دوّت أصوات إطلاق النار. ويصف المشهد الذي يعيشه بأنه أشبه بالموت مرات متتالية؛ فبدلًا من أن يجد في مكان نزروحه مساحة لالتقاط أنفاسه، يظل منشغلًا بكيفية إبعاد أطفاله عن الرصاص، من دون أن يمتلك وسيلة حقيقية لحمايتهم. أما المواطنة سها محمد، فلم تسلم خيمتها هي الأخرى من الرصاص، بعدما اخترقتها طلقات نارية، مهددة حياة طفلها الوحيد. ولا يقتصر التهديد على المناطق المحاذية للحدود؛ إذ نقلت شهادات استشهاد مواطن من مدينة غزة برصاصة داخل مقهى بعيد عن أي مواجهة، ورجّح محققون أن تكون الرصاصة قد انطلقت من إحدى الرافعات المتمركزة شرقي المدينة. وتعزز هذه الوقائع المخاوف من اتساع نطاق الخطر الذي تفرضه الرافعات المسلحة، بحيث لم يعد السكان يواجهون احتمالات الإصابة والقتل في مناطق الحدود وحدها، بل في أماكن السكن والانتظار والتجمعات المدنية أيضًا.

إصابات تستهدف الأجزاء العلوية من الجسد

لا تقف آثار نيران الرافعات عند الخوف الذي تتركه في نفوس السكان، بل تمتد إلى إصابات بالغة قد تخلّف إعاقات دائمة، وفق إفادات طواقم الإسعاف والطوارئ. ويوضح مدير الإسعاف والطوارئ في الخدمات الطبية، فارس عفانة، أن الإصابات الناجمة عن إطلاق النار من هذه المواقع تتركز في الأجزاء العلوية من الجسد، بما فيها الرأس والرقبة والصدر، وهي مناطق شديدة الحساسية، ما يزيد احتمالات الوفاة أو التعرض لأضرار جسدية خطيرة. أسفر إطلاق النار، بحسب المعطيات الواردة، عن سقوط أعداد من الشهداء والجرحى، فيما خلّفت بعض الإصابات شللًا كاملًا لدى مصابين، لتضيف إلى معاناة الناجين أعباء صحية ونفسية طويلة الأمد، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من نقص الإمكانات وصعوبة توفير العلاج والتأهيل اللازمين. وتتقاطع هذه الإفادات الطبية مع شهادات السكان والتوثيقات الحقوقية بشأن خطورة النيران التي تنطلق من الرافعات، وما تسببه من تهديد مباشر للمدنيين الذين يعيشون في مناطق مكشوفة أو يلجؤون إلى خيام لا توفر حماية كافية.

تأتي هذه الوقائع في ظل استمرار الخروقات الميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي لم ينهِ مخاطر القتل والإصابة التي يتعرض لها الفلسطينيون في قطاع غزة. ويتزامن ذلك مع خضوع نحو ثلثي مساحة القطاع للسيطرة العسكرية (الإسرائيلية) أو لقيود على الوصول، إلى جانب توسيع نطاق الخط الأصفر في مناطق شرقي غزة، بما في ذلك محيط شارع صلاح الدين في حي التفاح والشجاعية. ويؤدي اتساع المناطق المقيدة وتضرر المساكن والبنية التحتية إلى تضييق الخيارات المتاحة أمام العائلات، التي تجد نفسها مضطرة إلى الإقامة في مناطق تفتقر إلى الأمان، أو العودة إلى مبانٍ متضررة، أو العيش في خيام مكشوفة أمام نيران المواقع العسكرية المحيطة.

تحذيرات حقوقية من التهجير القسري

يعتبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن نشر الرافعات العسكرية المسلحة في 23 موقعًا شرقي القطاع، واستخدامها في إطلاق النار وسط التجمعات المدنية، إلى جانب توسيع المناطق الصفراء واستهداف المدنيين داخل الخيام والمنازل والأماكن العامة، يشكل مؤشرات على ممارسات تنتهك مبدأي التمييز والضرورة في القانون الدولي الإنساني. ويحذر المركز من أن هذه الممارسات، إلى جانب القتل والترويع والتهجير القسري، تقوّض مقومات بقاء السكان المدنيين، وتدفعهم إلى النزوح المتكرر في ظل غياب أماكن توفر لهم الحماية الفعلية. كما يطالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لوقف الانتهاكات المستمرة في قطاع غزة، وضمان توفير الحماية الدولية للمدنيين، ووقف سياسات التهجير القسري والتدمير واسع النطاق للأعيان المدنية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

بينما تواصل شيماء عماد محاولاتها للتكيف مع حياتها الجديدة، تبقى عيناها معلقتين بما قد يحدث في أي لحظة، فيما تحاول عائلات أخرى حماية أطفالها داخل خيام لا ترد الرصاص، أو في منازل لم تعد توفر الحد الأدنى من الأمان. هكذا، لم تعد الرافعات العسكرية في غزة مجرد نقاط مراقبة مرتفعة على امتداد الخط الأصفر؛ فقد باتت، وفق شهادات السكان والتوثيقات الحقوقية، مصدر خطر يلاحق المدنيين في تفاصيل حياتهم اليومية.

شارك الخبر: