طريق المدرسة في غزة: اختبار البقاء للأطفال ودموع الأمهات


هذا الخبر بعنوان "ثلاثة مقاعد فارغة.. حين يصبح طريق المدرسة هو الاختبار الأخير | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في صباحٍ لم يدقه جرس المدرسة، بل دقّ قلب أمٍّ ثلاث مرات، انقطع النفس ثلاث مرات. خرج ثلاثة أطفال من خيام عائلاتهم حاملين حقائبهم، ليعودوا محمولين على أكتاف الحزن. في أقل من 24 ساعة، غاب ثلاثة أطفال، ثلاث قصص، وثلاثة أحلام في يوم واحد. هنا، لا بد أن نتوقف ونسأل: ما قيمة المدرسة إذا كان الطريق إليها يقتل؟ ما قيمة تعليم الطفل حرف الألف إذا لم يستطع أن يكتب كلمة «أنا حي»؟ ما قيمة أن نعطيه كتابًا إذا كانت حقيبته ستُثقب؟ ما قيمة أن نقول له: احفظ درسك، إذا كان الدرس الوحيد الذي سيحفظه هو كيف ينجو؟
القضية ليست في ثلاثة أطفال فحسب، بل في الطريق نفسه. طريق المدرسة في غزة لم يعد طريقًا، بل أصبح امتحانًا يوميًا في البقاء. الطفل لا يمشي فيه، بل يزحف بقلبه، كل خطوة يحسبها، كل زقاق يخافه، وكل سماء ينظر إليها متسائلاً: هل سأصل؟
عاد أكثر من نصف مليون طفل إلى مدارسهم هذا العام، رغم أن مدارسهم ليست سوى خيام من قماش، ومقاعد من بلاستيك مكسور، وسبورات من خشب قديم، ودفاتر جمعوها من تحت الركام. عادوا لأنهم يحبون الحياة، ولأنهم يريدون أن يتعلموا. الطفل الفلسطيني يعرف أن قلمه هو سلاحه الوحيد، وأن دفتره هو وطنه الصغير. ولكن، كيف يتعلم طفل وهو يسمع فوقه صوتًا لا ينقطع؟ صوت يسبب الصداع، والخوف، والأرق. كيف يحفظ قصيدة وهو يفكر: هل سأعود لأمي؟ كيف لمعلم أن يشرح درسًا في الرياضيات وهو يعد طلابه كل صباح ليتأكد أن أحدًا لم ينقص؟ كيف لمعلمة أن تقول: افتحوا الكتاب على الصفحة العاشرة، وهي تعرف أن هناك كتابًا لن يُفتح أبدًا؟
كل طفل يرحل لا يترك مقعدًا فارغًا فقط، بل يترك صفًا كاملًا يرتجف، ومئة طفل يسألون أمهاتهم في المساء: هل سنذهب غدًا؟ وتجيب الأم وهي تبكي من الداخل: نعم، ستذهبون، لأن التعليم هو الحياة. لكنها في داخلها تتمنى لو تستطيع أن تربطهم بجانبها ولا تتركهم.
هذه هي الصورة التي يجب أن تصل لكل إنسان: طفل يخرج من بيته بحقيبة فيها قلم رصاص برَاه أبوه بسكين صغيرة، وابتسامة تقول: سأعود، ثم لا يعود. تبقى الحقيبة، وتبقى الابتسامة معلقة على باب الدار.
غدًا صباحًا، ستدق الأجراس في كل مدارس القطاع، سيدخل المعلمون، وسيفتحون دفاتر الحضور. سيقول أحدهم: محمد؟ سيصمت الجميع، سيتذكرون الطفل الذي لم يخلع حقيبته. سيقول الآخر: مسك؟ ستبكي صديقتها التي كانت تجلس بجانبها، وتقول: كانت هنا بالأمس، أخذت عشرة في الإملاء. سيقول الثالث: تامر؟ ولن يجيب أحد، إلا الريح التي تمر من فوق المقاعد الفارغة.
ثلاثة مقاعد فارغة، لكنها ليست فارغة، هي مليئة بالأسئلة. مليئة بسؤال لكل أم في العالم: لو كان هذا طفلك، هل كنت ستنامين؟ مليئة بسؤال لكل معلم في العالم: لو كان هذا تلميذك، هل كنت ستكمل الدرس؟ مليئة بسؤال لكل إنسان: إذا لم يكن طريق المدرسة آمنًا، فأي طريق في هذا العالم آمن؟ هؤلاء الأطفال لم يطلبوا شيئًا كبيرًا، لم يطلبوا قصورًا ولا سيارات، طلبوا أن يذهبوا إلى مدارسهم ويعودوا أحياء. طلبوا أن يكتبوا أسماءهم على دفاترهم، فكتبنا أسماءهم على شواهد قبورهم. ناموا بسلام يا محمد ويا مسك ويا تامر، دفاتركم لم تُغلق، سنكمل نحن الكتابة عنكم.
عاجل
عاجل
سياسة
عاجل