عملية الخليل النوعية تفضح هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية وتداعياتها السياسية


هذا الخبر بعنوان "تحليل| عملية الخليل النوعية تكشف فشل المنظومة الأمنية الإسرائيلية" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحليل معمق يكشف كيف هزت عملية الخليل النوعية المنظومة الأمنية الإسرائيلية، مسلطًا الضوء على أبعادها الميدانية والسياسية والانتخابية على الاحتلال. شهدت مدينة الخليل صباح الجمعة عملية إطلاق نار أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة أربعة آخرين، في اشتباك مسلح استمر نحو 20 دقيقة تخلله كمين واستدراج لجنود الاحتلال قبل ارتقاء المنفذين. وقعت العملية في منطقة تخضع لإجراءات أمنية مشددة، شملت بوابات حديدية وكاميرات مراقبة وتقنيات ذكاء اصطناعي، مما يثير تساؤلات حول فعالية هذه الإجراءات.
يرى الباحث عادل شديد أن العملية تكشف فشل المنظومة الأمنية الإسرائيلية في منع العمليات رغم الحصار والتشديد المفروضين. وتزامنت العملية مع الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من الشهر الجاري، مما يضيف بعدًا سياسيًا للحدث، حيث يُتوقع أن يستغل طرفا الخريطة الانتخابية، نتنياهو والمعارضة، العملية لتعزيز مواقفهما.
رغم منظومة الحصار والتشديد الأمني التي فرضتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، طوال السنوات الثلاث الماضية، شهدت المدينة صباح الجمعة عملية إطلاق نار عند مدخل "فرش الهوى"، شمال غربي المدينة، أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة أربعة آخرين. وارتقى منفذا عملية الخليل عقب اشتباك مسلّح استمر نحو 20 دقيقة، تخلّله كمين واستدراج لجنود الاحتلال. وتُعدّ العملية من أبرز العمليات التي شهدتها الخليل منذ بداية العام الجاري، بالنظر إلى موقعها والنتائج التي أسفرت عنها.
وتكتسب العملية دلالة إضافية من وقوعها في منطقة تخضع لإجراءات أمنية مشددة، إذ نصبت قوات الاحتلال بوابتين حديديتين فيها عقب أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى جانب برج عسكري يعود إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي ونقطتي تمركز عسكريتين. وقبل نحو شهرين، نقلت قوات الاحتلال بوابة حاجز فرش الهوى من تقاطع الطريق مع الشارع الالتفافي إلى مسافة تقارب 200 متر داخل المدينة، وعزّزت الموقع بكاميرات مراقبة مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ومكعبات إسمنتية، مع إبقاء قواتها في حالة تمركز دائم.
فشل التشديد الأمني
يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي عادل شديد، في حديث إلى شبكة قدس الإخبارية، أن أول ما تعكسه عملية الخليل هو "الفشل الأمني" المستمر الذي تكشفه كل عملية، ولا سيما أن هذه العملية النوعية، من حيث توقيتها وطريقة تنفيذها والاستدراج والاشتباك، تؤكد أن منظومة الرقابة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما تشمل الحواجز العسكرية والطائرات المسيّرة وكاميرات المراقبة وأجهزة التنسيق والإجراءات الأمنية المشددة والحصار، لا تستطيع منع وقوع العمليات.
وتعليقًا على تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس بشأن فرض حصار كامل على مدينة الخليل، يقول شديد إن الاحتلال لا يجد أمامه سوى الدفع بمزيد من القوات العسكرية وإقامة الحواجز، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات قد تفضي إلى نتائج عكسية على جيش الاحتلال. ويبين أن إحكام الحصار على محافظة الخليل لا يقتصر أثره على الفلسطينيين، بل ينعكس أيضًا على الاحتلال واقتصاده وأمنه، فيما قد يؤدي تضييق الخناق على السكان إلى ردود فعل مختلفة، بما يخدم، على نحو عكسي، الأهداف التي يسعى الاحتلال إلى تحقيقها من خلال هذه الإجراءات.
ويضيف شديد أن تشديد الحصار لم يكن في أي وقت سابق ضمانة لمنع العمليات أو ردود الفعل، لافتًا إلى أن جيش الاحتلال يعاني أصلًا نقصًا في قواته، في ظل توزيعها على جبهات ومناطق متعددة، تشمل الحدود مع الأردن، حيث يتذرع الاحتلال بوجود عمليات تهريب، إلى جانب الحدود مع لبنان وسورية، في ظل احتمالات التصعيد، فضلًا عن قطاع غزة.
ولا يرى شديد أن أهمية العملية تقتصر على توقيتها السياسي ومكان وقوعها وتفاصيل تنفيذها، بما في ذلك الاشتباك والمؤازرة والجرأة والنتائج، بل تمتد إلى تداعياتها العسكرية، معتبرًا أن جيش الاحتلال لا يستطيع تحمّل تبعاتها. ويستدل على ذلك بتصريحات رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير عقب العملية، حين قال إن الجيش منع وقوع عملية أكبر، وهو ما يفسره شديد بأنه محاولة لتقديم رواية تبريرية للجمهور الإسرائيلي، مفادها أن تدخل الجيش حال دون ارتفاع عدد القتلى إلى مستويات أكبر، على حد تعبيره.
وفي سياق متصل، يشكك شديد في تصريحات زامير بشأن العثور على كميات كبيرة من الأسلحة والمواد المتفجرة، ويصفها بأنها "محض كذب"، مشيرًا إلى أن المقاطع المصورة أظهرت، بحسب قراءته، أن منفذي العملية نفذا كمينًا وخاضا مواجهة مسلحة، قبل أن يخرجا من السيارة التي كانا يستقلانها وهما يحملان أسلحتهما.
نتنياهو الخاسر الأكبر انتخابيًا
وعن توقيت العملية، الذي يتزامن مع موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من الشهر الجاري، يرى شديد أن طرفي الخريطة الانتخابية، المتمثلين في رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والمعارضة، سيحاولان توظيفها في الترويج لمواقفهما وتعزيز حضورهما السياسي. ويوضح أن نتنياهو سيحاول استغلال العملية لإعادة تصدير الخطاب الأمني إلى واجهة النقاش الانتخابي عبر وسائل الإعلام، بما يسهم في صرف الاهتمام عن القضايا المرتبطة بمسؤوليته عن أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وملفات الفساد والرشاوى، وما يصفه شديد بإخفاقاته السياسية والأمنية. في المقابل، ستسعى المعارضة، وفق شديد، إلى تحميل نتنياهو مسؤولية الفشل في منع العملية، باعتباره رئيس الحكومة والمسؤول الأول عن المنظومة الأمنية الإسرائيلية. ويشير إلى أن نتنياهو يتبنى خطابًا يتباهى فيه بتحقيق الانتصارات وتوجيه الضربات إلى خصوم الاحتلال، في حين جاءت العملية، وفق تقديره، لتكشف عن إخفاق ميداني وأمني يتناقض مع هذا الخطاب. ويخلص شديد إلى أن نتنياهو هو الخاسر الأكبر من العملية عند تقييم تداعياتها السياسية والأمنية، باعتباره المسؤول عن الحكومة والمنظومة الأمنية، معتبرًا أنه لو كان في صفوف المعارضة لتعامل معها بوصفها إخفاقًا أمنيًا كبيرًا، ولجعلها محورًا في انتقاد أداء الحكومة وتحميلها مسؤولية الفشل في منعها.
ويعتبر الأكاديمي السياسي حسن أيوب، أن حصر نقاش العملية، في انعكاساته على الانتخابات الاسرائيلية (إن كانت لصالح نتنياهو أم ضده) يضع العملية في أضيق الاعتبارات. ويستدرك: "العملية سيكون لها تأثير على الانتخابات الإسرائيلية، لأن الذاكرة الجمعية عند الإسرائيليين ستكون حاضرة تمامًا عند التصويت مع استحضار هذه العملية، وسيكون هناك عمليات تصويت على خلفية هذه العملية (...) لكن الأصل هنا هو أن الميل العام في المجتمع الإسرائيلي هو ميل يميني فاشي".
ويشير أيوب إلى أن الأهم من ذلك، هو دلالات العملية من الناحية الاستراتيجية الإسرائيلية، التي فشلت فيها سياسة فرض الحصار وخنق الوجود الفلسطيني وتجفيف منابع الحياة من خلال محاصرة الفلسطينيين في بقع جغرافية معزولة عن بعضها، صعوبة التنقل إلى درجة الحرمان منه، وخاصة أن العملية وقعت عند ممر وحيد لسكان مدينة الخليل. ولذا، فإن قادة الحكومة الإسرائيلية بكل أركانها ومؤسسات الدولة، لا يملكون في هذه المرحلة، سوى تكرار ذات المواقف، بالتهديد بمسح قرى أو أحياء بأكملها وتهجيرها وشن حرب لتصفية الوجود الفلسطيني، بما فيها السلطة، كما فعل وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير عقب العملية. كما تشير هذه التصريحات التي أطلقتها وزيرة الاستيطان أوريت ستروك التي تستوطن في الخليل، إلى جانب بن غفير، إلى أن استراتيجية الإبادة تمضي بها "إسرائيل" حال وقوع العمليات أو لم تقع.
كما تحمل العملية دلالات أمنية، بأن "الاحتلال ليس بوسعه التحكم في حياة الفلسطينيين بكل وقت، وبذات الطريقة؛ لأن إسرائيل كانت تستنتج أنها إذا تمكنت من فرض النظام القائم الآن في الضفة الغربية من عزل الفلسطينيين والحضور على مدار الساعة في تفاصيل حياتهم اليومية، ووضعهم بشكل مستمر في حالة من الارتباك وانعدام الوزن وتفسيخ العضوية والوحدة للمجتمع الفلسطيني، يمكنها أن تنجز ما لم تستطع أن تنجزه على مدار أكثر من 70 عاماً من الصراع. في المقابل تأتي هذه العملية لتؤكد أن هذه المقاربة العسكرية الأمنية فشلت منذ عام 1948، ورغم ذلك ما زالت تكررها إسرائيل معتقدة بإمكانية القضاء على الشعب الفلسطيني".
العملية والارتباط التنظيمي
وفي قراءة ميدانية للعملية، يرى مدير مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، أحمد الطناني، في حديث مع شبكة قدس الإخبارية، أن مكان تنفيذ العملية وتوقيتها وطبيعة تسليح منفذيها وطريقة اشتباكهما مع قوات الاحتلال، تشكل بمجملها مؤشرات مهمة إلى خلفياتها المحتملة، مرجحًا أن تكون ذات خلفية تنظيمية وارتباط حزبي، وأنها جاءت في لحظة تحمل دلالات سياسية وميدانية. ويشير الطناني إلى أن التفاصيل المنشورة بشأن العملية تُظهر تعمّد المنفذين الاشتباك مع قوات الاحتلال عند حاجز عسكري، وهو ما يحمل، وفق تقديره، رسائل تتجاوز الجانب الميداني إلى البعد السياسي، في ظل محاولات الاحتلال تكريس وجود عسكري دائم في الضفة الغربية. ويرى أن العملية تؤكد أن الحواجز والانتشار العسكري الإسرائيلي لن يضمنا توفير الأمن للاحتلال، بل سيبقيان عرضة للاستهداف والمواجهة.
وفي ما يتعلق بالخلفية التنظيمية، يلفت الطناني إلى أن الترجيحات الإسرائيلية، المستندة إلى الخلفية العائلية لمنفذي العملية، تشير إلى احتمال وجود ارتباط تنظيمي لهما بحركة حماس. ويرى أن طبيعة العملية قد تعكس توجهًا نحو إبقاء المواجهة المسلحة حاضرة، في إطار ما يصفه بإصرار الحركة على استمرار الكفاح المسلح وعدم السماح بتراجع دوره في المشهد الفلسطيني. ويضيف أن العملية تحمل رسالة مفادها أن السياسات الإسرائيلية المتطرفة، الهادفة إلى تهجير الفلسطينيين، لن تفضي إلى إيجاد ساحة مستقرة وفق التصورات الإسرائيلية. ويؤكد أن ما تمارسه قوات الاحتلال في الضفة الغربية من قمع وبطش وتهجير، إلى جانب إطلاق يد مجموعات المستوطنين في الاعتداء على الفلسطينيين تحت حماية جيش الاحتلال وتوجيهه، لن يحقق الأمن المنشود إسرائيليًا، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في تصاعد المقاومة واتساع المواجهة.
وعن خصوصية مدينة الخليل، يشير الطناني إلى أنها تمثل إحدى أبرز ساحات تطبيق سياسات الاستيطان والتهويد والاستيلاء على الأراضي، فضلًا عن محاولات فصل المدينة عن هويتها الوطنية. ويرى أن خروج العملية من الخليل يحمل دلالات تاريخية، بالنظر إلى الدور الذي أدته المدينة في انتفاضة الأقصى، حين كان انخراطها في المواجهة عاملًا رئيسيًا في تغيير مسار الانتفاضة ورفع وتيرتها. ويلفت الطناني إلى أن الخليل تضم قاعدة جماهيرية واسعة لحركة حماس، معتبرًا أن تنفيذ عملية من داخل المدينة يعيد طرح تساؤلات بشأن قدرة الاحتلال على تفكيك البنية التنظيمية واستعادة المبادرة الميدانية في مناطق يفرض عليها إجراءات أمنية مشددة. وبحسب قراءته، فإن للعملية أهمية تتجاوز نتائجها المباشرة، إذ تحمل دلالة على استمرار حضور المدينة في معادلة المواجهة، رغم محاولات الاحتلال المتواصلة الحد من دورها. ويخلص الطناني إلى أن العملية تضرب، وفق تقديره، رواية الاحتلال بشأن نجاحه في عزل الخليل عن محيط المواجهة وفصلها عن هويتها التاريخية والوطنية، وتعيد التأكيد على مكانة المدينة بوصفها إحدى الساحات الأساسية في معادلة الاشتباك مع الاحتلال.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة