فلسطين
سياسة

نتنياهو: نهاية رجل أم نهاية مرحلة سياسية في إسرائيل؟

شبكة قدس٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٥٠ م0 مشاهدة
نتنياهو: نهاية رجل أم نهاية مرحلة سياسية في إسرائيل؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل يكون نتنياهو آخر رؤساء حكومات الاحتلال؟ نهاية الرجل أم نهاية مرحلة؟" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يطرح الكاتب عماد زقوت تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي في حقبة ما بعد بنيامين نتنياهو، في ظل تصاعد الانقسامات الداخلية، وتزايد أعباء الحروب، والتحولات الإقليمية والدولية.

تتردد في الآونة الأخيرة عبارة سياسية تحمل دلالات كبيرة: «سيكون بنيامين نتنياهو آخر رئيس حكومة لإسرائيل». وقد تبدو هذه العبارة، للوهلة الأولى، وكأنها تتنبأ بزوال دولة الاحتلال عقب رحيل نتنياهو، لكنها في سياق التحليل السياسي قد تحمل معنى مختلفًا وأكثر تعقيدًا. فالمقصود ليس بالضرورة انهيار الدولة أو عجزها عن تشكيل حكومة جديدة، بل احتمال انتهاء مرحلة سياسية ارتبطت بشخصية نتنياهو، وطول بقائه في السلطة، وقدرته على إدارة التحالفات، ومناورة الخصوم، والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية. ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق بمصير رجل واحد فحسب، بل بطبيعة النظام السياسي الذي ساهم في تشكيله، وبمدى قدرته على مواصلة العمل بالآليات نفسها بعد غيابه عن المشهد.

لا ينتمي نتنياهو إلى جيل مؤسسي دولة الاحتلال عام 1948، لكنه أصبح أحد أبرز الشخصيات السياسية التي طبعت الحياة السياسية الإسرائيلية خلال العقود الأخيرة. وعلى خلاف قادة ارتبطت أسماؤهم بمرحلة تأسيس مؤسسات الدولة، ينتمي نتنياهو إلى جيل نشأ داخلها، وخاض صراعًا طويلًا على هويتها واتجاهاتها السياسية والأمنية والاستراتيجية. ومنذ صعوده إلى السلطة، ثم عودته إليها بعد فترات من الغياب، تمكن نتنياهو من ترسيخ موقعه باعتباره أحد أطول رؤساء الحكومات الإسرائيلية بقاءً في المنصب، مستفيدًا من قدرته على إعادة تشكيل الائتلافات، واستثمار الخلافات بين خصومه، والتكيف مع الأزمات السياسية المتلاحقة. ولم يكن بقاؤه في الحكم نتاج حضوره الشخصي وحده، بل ارتبط أيضًا بطبيعة النظام البرلماني الإسرائيلي، الذي يجعل تشكيل الحكومات مرهونًا بالتفاهمات بين الأحزاب، ويمنح القوى الصغيرة أحيانًا قدرة كبيرة على التأثير في هوية الائتلافات الحاكمة وبرامجها. وقد أظهر نتنياهو قدرة على استثمار هذه المعادلة، والعودة إلى الحكم رغم الأزمات والانتقادات والانقسامات الداخلية.

لكن هذه المكانة لا تعني أن الدولة أصبحت مرهونة بشخصه، أو أن رحيله سيؤدي تلقائيًا إلى نهاية المشروع الصهيوني؛ فالدول تقوم على مؤسسات وقوى اجتماعية وسياسية وأمنية واقتصادية، وليس على شخصية واحدة مهما بلغ نفوذها. ومع ذلك، فإن طول بقائه في الحكم يجعل مرحلة ما بعده اختبارًا مهمًا لمدى قدرة النظام السياسي على إنتاج قيادة بديلة، والحفاظ على تماسك الائتلافات، والتعامل مع الملفات التي تراكمت خلال سنوات حكمه. وربما لا يكمن السؤال الأهم في هوية خليفة نتنياهو، بل في طبيعة إسرائيل التي ستخرج من عهده. فالمجتمع الإسرائيلي يشهد خلافات متزايدة حول قضايا جوهرية، من بينها الحرب، والخدمة العسكرية لليهود الحريديم، والعلاقة بين الحكومة والمحكمة العليا، ومستقبل الاستيطان، والقضية الفلسطينية، وحدود العلاقة بين المؤسسة السياسية والمؤسسات الأخرى. ولا تمثل هذه الخلافات مجرد اختلافات عابرة بين أحزاب تتنافس على السلطة، بل تعكس تباينات أعمق بشأن شكل الدولة، وطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، وحدود صلاحيات الحكومة، وكيفية توزيع الأعباء الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بين مكونات المجتمع. كما أن التوترات داخل الائتلافات الحكومية، والصدامات المتعلقة بالقضاء والإعلام، تكشف عن انقسامات لا يمكن تجاهلها. فكلما اتسعت الفجوة بين التيارات السياسية والاجتماعية، ازدادت صعوبة بناء توافقات مستقرة بشأن القضايا الكبرى، خصوصًا في ظل الحروب والضغوط الاقتصادية والأمنية.

لكن وجود هذه التناقضات لا يعني بالضرورة أن إسرائيل تتجه نحو التفكك. فالمعيار الأساسي يتمثل في قدرة النظام السياسي على إدارة الخلافات، واحتواء الأزمات، وإعادة بناء التوافقات بين القوى المختلفة. وقد أظهر النظام الإسرائيلي في مراحل سابقة قدرة على تجاوز أزمات انتخابية معقدة، وتشكيل حكومات ائتلافية متباينة، وإعادة إنتاج مؤسساته رغم الاستقطاب الحاد. ولذلك، فإن التحدي في مرحلة ما بعد نتنياهو لن يكون بالضرورة غياب القيادة وحده، بل مدى قدرة القوى السياسية على الاتفاق على أولويات مشتركة، ومنع الخلافات الداخلية من التحول إلى أزمة مستمرة في الحكم.

ومن غير الدقيق افتراض أن أي حكومة ستأتي بعد نتنياهو ستكون نسخة مطابقة لحكومته، كما لا يصح الجزم بأنها ستكون أقل تمسكًا بالمشروع الصهيوني أو أكثر استعدادًا لتغيير السياسات تجاه الفلسطينيين. فالمنافسة السياسية الإسرائيلية تدور، في جانب كبير منها، حول إدارة الدولة، والسياسات الأمنية، والحروب، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والقضاء، وتركيبة الائتلافات، والموقف من الفلسطينيين. وقد تختلف الأحزاب في هذه الملفات، وفي الطريقة التي تقدم بها سياساتها إلى الجمهور، من دون أن يعني ذلك وجود خلاف جوهري بينها بشأن جميع الأسس التي تقوم عليها الدولة. وقد تتجه حكومة مقبلة إلى اعتماد خطاب سياسي مختلف، أو إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والدبلوماسية، أو إجراء تغييرات في إدارة بعض الملفات الداخلية، لكنها قد تحافظ في الوقت نفسه على توجهات استراتيجية أساسية. ولذلك، فإن التغيير في رأس السلطة لا يساوي بالضرورة تغييرًا جذريًا في طبيعة الدولة أو في أهدافها بعيدة المدى.

ولا يمكن قراءة مستقبل إسرائيل بمعزل عن محيطها الإقليمي والدولي. فالتوازنات في المنطقة، وأدوار القوى الإقليمية، ومستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كلها عوامل تؤثر في حسابات الدولة الإسرائيلية، وتحدد جانبًا من الخيارات المتاحة أمام الحكومات المتعاقبة. وتبقى العلاقة مع الولايات المتحدة عنصرًا مركزيًا في هذا المشهد، خصوصًا مع الحديث عن تحولات في المواقف الحزبية الأميركية تجاه إسرائيل، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي. وقد تنعكس هذه التحولات مستقبلًا على طبيعة الدعم السياسي والعسكري، لكن من المبكر التعامل معها باعتبارها قطيعة نهائية مع السياسة الأميركية التقليدية. وفي المقابل، ستظل أعباء الحروب الطويلة، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتغير البيئة الأمنية، عوامل مؤثرة في قدرة إسرائيل على الحفاظ على تماسكها الداخلي. فالحروب لا تُقاس نتائجها بالقدرات العسكرية وحدها، بل بما تتركه من آثار على المجتمع والاقتصاد، وبما تفرضه من أعباء على المؤسسات، وبمدى قدرة الدولة على استعادة الاستقرار بعد فترات المواجهة الطويلة.

ومن الضروري هنا التمييز بين أزمة النظام السياسي وبين انهيار الدولة. فقد تدخل إسرائيل، بعد نتنياهو، مرحلة تتسم بانتخابات متكررة، أو حكومات ضعيفة، أو ائتلافات هشة، أو صراعات أشد بين التيارات الدينية والعلمانية، أو خلافات حول التجنيد والقضاء والحرب. لكن هذه الاحتمالات، حتى لو تحققت، لا تعني تلقائيًا تفكك الدولة. فالنظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي يجعل الحكومات الائتلافية سمة متكررة، ويمنح الأحزاب الصغيرة قدرة مؤثرة على تحديد شكل السلطة. وقد يؤدي ذلك إلى عدم استقرار حكومي وصعوبة تمرير القرارات، لكنه لا يعني بالضرورة انهيار المؤسسات أو انتهاء الدولة. لذلك، فإن السيناريو الذي يستحق الدراسة ليس سقوطًا مفاجئًا، بل اختبارًا طويلًا لقدرة إسرائيل على إدارة أزماتها المتراكمة، والحفاظ على تماسكها السياسي والاجتماعي، وإعادة صياغة علاقاتها الداخلية والخارجية. فالأزمات قد تضعف قدرة النظام على اتخاذ القرار، وتزيد من حدة الاستقطاب، لكنها لا تقود بالضرورة إلى النتيجة نفسها في كل الحالات.

ولا يمكن فصل مستقبل إسرائيل عن القضية الفلسطينية، التي تمثل أحد المحاور الأساسية في حساباتها الأمنية والسياسية والدولية. فاستمرار الصراع، وتداعيات الحروب، وتوسع الاستيطان، والضغوط القانونية والدبلوماسية، كلها عوامل تدخل في تشكيل البيئة التي تتحرك فيها الحكومات الإسرائيلية، وتؤثر في علاقاتها الإقليمية والدولية. لكن اختزال مستقبل إسرائيل في قدرة الفلسطينيين وحدهم على إسقاطها سيكون تبسيطًا للمشهد. فالمعادلة أكثر تعقيدًا، وتتداخل فيها عوامل داخلية إسرائيلية، وتحولات إقليمية، ومواقف دولية، وتوازنات أمنية واقتصادية. ومع ذلك، يستطيع الفلسطينيون التأثير في هذه المعادلة بصورة أكبر عندما يتحول الفعل الوطني إلى مشروع سياسي وقانوني ودولي متكامل، وعندما تُعاد صياغة المشروع الوطني على نحو يعزز القدرة على التأثير في الإقليم والمجتمع الدولي. وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى مستقبل إسرائيل بوصفه نتيجة حتمية لمسار واحد، سواء تعلق الأمر برحيل نتنياهو أو باستمرار حكومته. فمصير الدول يتشكل عبر تفاعل عوامل متعددة، وقد تتراكم الأزمات لسنوات من دون أن تؤدي إلى انهيار مباشر، كما قد تفرض التحولات المتلاحقة تغييرات عميقة في طبيعة النظام السياسي واتجاهاته.

قد تكون العبارة الأكثر دقة، إذن، ليست أن «نتنياهو سيكون آخر رئيس حكومة لإسرائيل»، بل إنه قد يكون آخر رئيس حكومة يمثل إسرائيل بالصيغة السياسية التي ترسخت خلال العقود الأخيرة. فرحيله، إذا حدث، لن يعني بالضرورة زوال الدولة أو انتهاء المشروع الصهيوني، لكنه قد يضع النظام الإسرائيلي أمام مرحلة مختلفة، تتراجع فيها هيمنة الشخصية الواحدة، وتبرز فيها الحاجة إلى إعادة ترتيب التحالفات والأولويات والسياسات. والسؤال الحاسم ليس من سيخلف نتنياهو، بل ما إذا كانت إسرائيل ستتمكن من إدارة التناقضات التي تراكمت داخلها، والتعامل مع أعباء الحروب، والتكيف مع التحولات الإقليمية والدولية، وإعادة إنتاج توافق سياسي قادر على الحفاظ على تماسك الدولة. فالدول لا تنهار عادةً بسبب رحيل قائد واحد، كما أنها لا تبقى بالضرورة على الصورة نفسها إلى الأبد. ومن هذه الزاوية، فإن مرحلة ما بعد نتنياهو لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إعلانًا عن سقوط حتمي، وإنما باعتبارها اختبارًا تاريخيًا لقدرة إسرائيل على الحفاظ على بنيتها السياسية والاجتماعية، وإعادة تعريف موقعها في المنطقة والعالم.

شارك الخبر: