الأمان المفقود في الداخل الفلسطيني: بين عجز المجتمع وتواطؤ المؤسسة الإسرائيلية


هذا الخبر بعنوان "خاص| بين عجز الشارع وتواطؤ المؤسسة الإسرائيلية كيف نستعيد الأمان في الداخل الفلسطيني؟" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل تصاعد غير مسبوق في أعداد ضحايا جرائم القتل والعنف المستشري في الداخل الفلسطيني، وتجاوز "عداد الجريمة" أرقامًا مقلقة تفوق كل التوقعات، تتسع الهوة يومًا بعد يوم بين شعور المواطن بانعدام الأمان وغياب الحلول الجذرية. وسط هذا المشهد المعقد الذي يتقاطع فيه التهميش السياسي، التحولات الاجتماعية، وتواطؤ المؤسسة الإسرائيلية وأدواتها الأمنية، يسلط الحوار التالي الضوء على الأسباب الحقيقية وراء هذه الظاهرة الخطيرة.
في هذه المقابلة الخاصة، يفتح السياسي الأستاذ توفيق محمد النقاش على مصراعيه، ليجيب عن تساؤلاتنا في شبكة قدس: كيف تحول العنف إلى أداة لخلخلة النسيج الاجتماعي؟ وما حدود مسؤولية الدولة والشرطة مقارنة بدور لجان الإصلاح والقيادات المحلية؟ وكيف يمكن صياغة استراتيجية مجتمعية وشعبية قادرة على مواجهة هذا النزيف المستمر؟
كيف تقرؤون واقع العنف والجريمة في الداخل الفلسطيني اليوم؟ وهل نحن أمام تصاعد في الجرائم فحسب، أم أمام تحول أعمق في بنية المجتمع وعلاقاته؟
مجتمعنا في الداخل الفلسطيني يعيش حالة مقلقة جدًا فيما يتعلق بالعنف والجريمة التي تضرب في كل مفاصل المجتمع. نحن لا نتحدث فقط عن جرائم من نوع واحد، لا نتحدث مثلًا عن جرائم القروض الربوية والخاوة وإطلاق النار؛ نحن نتحدث عن كل ذلك، بالإضافة لذلك وهو الأهم، نتحدث عن جرائم القتل التي يذهب ضحيتها العشرات بل المئات في كل عام. نحن الآن ما زلنا في نهاية شهر أكتوبر وأصبح عداد الجريمة فوق الـ 180 ضحية. حتى نهاية العام لا ندري ماذا سيحدث، آمل من الله سبحانه وتعالى أن يتوقف ذلك، لكن الدلائل لا تشير إلى ذلك، فالجريمة في تصاعد وفي كل عام عدد ضحايا القتل أكثر من العام الذي سبقه. هذا ناهيك عن ضحايا الجريمة من الجرحى؛ يعني ضحايا الجريمة القتلى نحن نتحدث عن 250 قتيلًا العام الماضي، لكن خلف كل ضحية هناك عائلة، زوجة، أبناء، أبوان، إخوان، ومجتمع كامل يعاني من هذه الجريمة التي راح ضحيتها فرد فحولت حياته وعائلته بالكامل. وهناك أيضًا الجرحى الذين هم بالمئات، وهؤلاء ربما يتمون حياتهم كمعاقين من كل شيء، وهؤلاء أيضًا جريمتهم لا تقل بشاعة عما سبقها. إضافة إلى ذلك، الجرائم الربوية وجرائم الخاوة التي بات يعاني منها مجتمعنا في الداخل الفلسطيني؛ هذه الجرائم لا شك أنها تضرب في النسيج الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني في الداخل وتخلخل هذا النسيج. هناك ظاهرة جديدة رأيناها في باقة وهي ظاهرة إيجابية؛ أقصد عائلة أبو مخ التي وهبت أو أعطت الحماية كعائلة لفرد من أفرادها وحمته من الخاوة، وهذا شيء إيجابي؛ فالمأمول أن ينتشر في كل العائلات في باقة وفي الداخل الفلسطيني، لأن هذا الأمر عندما تتحد العشيرة أو العائلة بهذا الشكل لتحمي أبناءها فلا شك أنه سيضيف لبنة في مواجهة العنف والجريمة، لكن الصورة الحالية عمومًا هي صورة غير مشجعة.
ما الأسباب الجوهرية لتفشي العنف والجريمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل؟ وكيف تتداخل السياسات الإسرائيلية مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية في تفاقم الظاهرة؟
أسباب الجريمة في الداخل الفلسطيني تتضح إذا رجعنا 26 عامًا إلى الخلف؛ فمنذ هبة القدس والأقصى هناك تصاعد في الجريمة والعنف. أريد فقط أن أعطي أرقامًا لأن الأرقام تتحدث عن نفسها: منذ العام 1980 حتى العام 2000 كان هناك 80 جريمة قتل في الداخل الفلسطيني، بمعنى أربع جرائم قتل في السنة الواحدة فقط على مدار 20 عامًا. هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الجريمة في مجتمعنا كانت كسائر الجرائم والعنف في كل المجتمعات الطبيعية في العالم. لكن نقطة التحول والانكسار حصلت بعد هبة القدس والأقصى في العام 2000، التي أخرج من خلالها المسجد الأقصى المبارك كل مجتمعنا في الداخل الفلسطيني بكافة انتماءاته الدينية والسياسية للدفاع عنه لكونه مقدسًا إسلاميًا ودينيًا وقوميًا ووطنيًا. خرج المجتمع الفلسطيني عن بكرة أبيه للتظاهر احتجاجًا على اقتحام شارون للمسجد الأقصى المبارك يوم 28/9/2000 والمجزرة التي تلتها يوم الجمعة 29/9/2000. هذا الأمر أضاء أمام السلطة الإسرائيلية الضوء الأحمر، ومن هناك كان القرار الذي لم نقرأه أسود على أبيض ولكن قرأناه بدماء أبنائنا التي تراق في الساحات، حيث يبدو أن القرار كان تفكيك النسيج الاجتماعي لأهل الداخل الفلسطيني عبر نشر الجريمة والعنف في أوساطهم وتشجيع هذه الظاهرة بالتغاضي عنها وربما أكثر من ذلك. ثم جاءت بعد ذلك هبة الكرامة التي كان المحرك الأساسي لها أيضًا المسجد الأقصى المبارك، وعندئذ أضيف إلى نشر العنف والجريمة القبضة الأمنية المشددة، التي أصبح الشخص بموجبها يعتقل على مجرد وضع "إعجاب" لمنشور أو تدوينة لا تروق لأصحاب القرار.
إلى أي مدى تتحمل الشرطة الإسرائيلية مسؤولية تفشي الجريمة، في ظل استمرار انتشار السلاح وارتفاع أعداد الضحايا؟ وهل تكشف طريقة تعامل الدولة مع الظاهرة عن تفاوت في مستوى الحماية بين المجتمع الفلسطيني والمجتمع اليهودي؟
عندما أسأل عن تقصير الشرطة أستغرب أحيانًا؛ صحيح أن الشرطة مقصرة ولكنني أعتقد أن الشرطة هي أداة من أدوات الدولة. عندما تقرر الدولة وتتخذ القرار السياسي، فإن هذه الأداة تنسجم مع هذا القرار وتنفذه. أنا لا أبرئ الشرطة، ولكنني أتهم ما هو فوق الشرطة، فإذا قررت الدولة مكافحة الجريمة ووضع حد لهذا العنف الذي يضرب نسيجنا الاجتماعي ويستهدف أبناءنا فسيتم وقف هذا الأمر فورًا. شاهدنا ذلك سابقًا في بلدات يهودية قبل العام 2000 في نتانيا وفي الشمال في الخالصة ("كريات شمونة")، حيث كانت البلدتان تعانيان من مستوى جرائم مرتفع وعصابات إجرام، وعشية قرار رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون حينها بوضع حد لهذه الظاهرة، ضرب بقبضته على الطاولة وقال: "أريد إنهاء هذه الظاهرة"، وتم إنهاؤها بالفعل. فنحن أمام قرار سياسي بالأساس؛ في اللحظة التي يقع فيها القرار السياسي بمكافحة الجريمة، فإن الشرطة ستنفذ القرار بسهولة. ومع ذلك، هناك تقصير بل وتواطؤ من الشرطة مع الجريمة والعنف في مجتمعنا، لكن في النهاية إذا جاء القرار من الأعلى فإن الشرطة ستنفذه بالضرورة.
كيف أثر انتشار العنف والجريمة في النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وفي شعور الناس بالأمان، ومستقبل الشباب؟ وما مسؤولية القيادات السياسية والسلطات المحلية والمؤسسات الدينية والتربوية في مواجهة هذه التداعيات؟
لا شك أن انتشار مئات آلاف قطع السلاح أحدث حالة من الرعب والخوف بين أبناء الداخل الفلسطيني؛ فأنت لا تعلم من تناقش وماذا يحمل وماذا لديه وكيف سيكون رد فعله، لدرجة أن نقاشًا بسيطًا اليوم قد ينتهي بإطلاق نار، وهذا أمر مرعب يلقي بظلاله السيئة على جميع الأهل. أما بالنسبة لدور ومسؤولية القيادات ولجان الصلح ولجنة المتابعة وغيرها، ففيما يتعلق بقضايا الخلافات الاجتماعية بين الناس لا شك أن هناك دورًا ممتازًا قامت به هذه الأجسام. على سبيل المثال، في الخلافات الاجتماعية بين عائلتين حول طلاق أو مال أو أرض أو خلافات الأطفال، تمكنت لجنة إفشاء السلام قبل حظرها في العام 2024 من إجراء مراسم الصلح وحل مشاكل في 16 بلدة فقط بإجمالي 1600 قضية صلح بحسب الإحصائيات التي وردت إليها. الدور المنوط بالقيادات واللجان المحلية في القضايا الاجتماعية تقوم به على أكمل وجه، لكن القضية الأكبر التي تتجاوز قدرة كل القيادات واللجان هي قضية عصابات الإجرام المنظم؛ فهذه مسؤولية دولة ولا تستطيع اللجان المحلية التعامل معها لأنها فوق طاقتهم وقدراتهم، ومع ذلك تبذل جهود وتحقق نجاحات محلية محدودة.
شهدت البلدات العربية احتجاجات ومبادرات شعبية لمواجهة العنف والجريمة، لكنها لم تنجح في وقف نزيف الدم. كيف تقيمون هذه التحركات، وما الذي ينقصها لتتحول إلى مشروع جماعي مستمر ومؤثر؟
الحراك الذي شهدته البلدات العربية كان حراكًا كبيرًا وجيدًا، ولكنه توقف مع اندلاع الحرب. حراك من هذا القبيل بحاجة لاستجابة جماهيرية واسعة، وللأسف أبناء مجتمعنا في الآونة الأخيرة لا يستجيبون بالشكل الكافي لنداءات التظاهر. لو كانت هناك استجابة كما حدث في سخنين لكان استمرار هذا الحراك سيحدث ضغطًا مؤثرًا على متخذي القرار. عدم الاستجابة هذا أمر غير مفهوم؛ هل هو بسبب الخوف أم الإحباط؟ لا أدري حقيقة. ومن الخطأ أن نلقي باللائمة على القيادة وحدها؛ فالقيادة تجتمع وتضع الاقتراحات وتتخذ القرارات وتناشد الناس، لكن تلبية الشارع متواضعة جدًا وعلينا أن ندرس أسباب هذا الإحباط لدى الجماهير ونعالجه.
ما الاستراتيجية العملية التي يحتاجها المجتمع الفلسطيني في الداخل لمواجهة العنف والجريمة؟ وكيف يمكن الجمع بين الضغط على المؤسسة الإسرائيلية لتحمل مسؤولياتها، وتعزيز العمل المجتمعي، وبناء موقف فلسطيني موحد؟
المجتمع الفلسطيني في الداخل بحاجة إلى استراتيجية عمل دائم ومتواصل لا يكل ولا يمل، وتستند إلى ثلاثة محاور رئيسية: المحور التوعوي والتربوي والتثقيفي: يعمل في مفاصل المجتمع كلها، بدءًا من المدارس الابتدائية وصولًا إلى الثانوية والجامعات والأحياء، عبر لقاءات حوارية تصنع رأيًا عامًا مجتمعيًا مناهضًا للعنف والجريمة. محور لجان الإصلاح والأحياء: تفعيل لجان إصلاح ولجان أحياء في كل بلدة (بل وأكثر من لجنة في المدن الكبيرة مثل أم الفحم والناصرة وسخنين) تكون وظيفتها حسم الخلافات وحل المشاكل الاجتماعية أولًا بأول. المحور الجماهيري والنضالي الضاغط: عمل جماهيري متواصل لا يقتصر على المظاهرات فحسب، بل يشمل التواصل مع المؤسسات المحلية والدولية والتوقيع على وثائق جامعة للضغط على متخذي القرار لاتخاذ خطوات جادة لمكافحة الجريمة. هذه المحاور الثلاثة تشكل الاستراتيجية المطلوبة، لكن كل هذا الكلام يظل تنظيريًا ما لم ينزل إلى الشارع ويتجسد واقعًا على الأرض. أنا ضد الاكتفاء بالأيام الدراسية والأبحاث التي تقرأ ثم تغلق الملفات دون أثر ميداني؛ الأبحاث جيدة، ولكن المفتاح الحقيقي هو إنزال هذه المفاهيم إلى واقع الناس والميدان والعمل المباشر.
في ختام هذا الحوار الشامل، يضعنا الأستاذ توفيق محمد أمام مسؤولية وطنية ومجتمعية جسيمة، مؤكدًا أن مواجهة العنف والجريمة في الداخل الفلسطيني لا تحتمل الاكتفاء بالدراسات النظرية أو الفعاليات الموسمية، بل تتطلب عملًا دؤوبًا ومتواصلًا على ثلاثة محاور رئيسية: الوعي التربوي والتثقيفي، تفعيل لجان الإصلاح والأحياء، وبناء إطار نضالي جماهيري ضاغط. إن استعادة الأمان في الداخل الفلسطيني، معركة وجود وحماية للنسيج الاجتماعي في مواجهة سياسات التهميش والتواطؤ؛ معركة تحتم على الجميع – قيادات، مؤسسات، وأفرادًا – الانتقال من مرحلة الشكوى والتشخيص إلى مرحلة الفعل الميداني الموحد لإنقاذ جيل كامل من براثن الجريمة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة