دراسة فلسطينية: مستقبل محاسبة جرائم غزة يتوقف على حماية المحكمة الجنائية الدولية من العقوبات الأمريكية


هذا الخبر بعنوان "دراسة فلسطينية: مستقبل محاسبة جرائم غزة مرهون بحماية الجنائية الدولية - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
حذّرت ورقة بحثية صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية من تداعيات توسيع الولايات المتحدة عقوباتها لتشمل المحكمة الجنائية الدولية بوصفها مؤسسة، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل تصعيدًا في الضغوط على مسار العدالة الدولية وتهدد قدرة المحكمة على مواصلة عملها وملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في قطاع غزة. تناولت الورقة، التي حملت عنوان «من استهداف الأشخاص إلى خنق المؤسسة: العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية وحدود حماية مسار المساءلة عن جرائم غزة»، تطور الإجراءات الأمريكية وأبعادها القانونية والسياسية والتشغيلية، إلى جانب السيناريوهات المحتملة لتداعياتها خلال الأشهر المقبلة.
من استهداف القضاة إلى فرض العقوبات على المحكمة
رصدت الورقة مسار العقوبات الأمريكية الذي بدأ بالأمر التنفيذي رقم 14203 الصادر في فبراير/شباط 2025، مستهدفًا مسؤولين وقضاة في المحكمة الجنائية الدولية، قبل أن يمتد إلى مؤسسات حقوقية فلسطينية، وصولًا إلى إدراج المحكمة نفسها على قائمة المواطنين المحظورين والمجمّدة أصولهم (SDN) في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026. واعتبرت الورقة أن هذا التطور ينقل الضغوط الأمريكية من استهداف أشخاص على صلة بعمل المحكمة إلى استهداف المؤسسة القضائية الدولية ذاتها، مما يوسع نطاق التأثير المحتمل على عملياتها وشبكة الجهات التي تتعامل معها.
أوضحت الورقة أن القرار لا يعني وقف جميع أنشطة المحكمة بصورة فورية ومطلقة، إذ أصدرت السلطات الأمريكية بالتزامن معه أربعة تراخيص عامة تسمح باستمرار معاملات محددة، تشمل بعض المدفوعات ورواتب الموظفين والتأمين الصحي والخدمات الطبية والاتصالات والبرمجيات، وفق الشروط الواردة في تلك التراخيص. لكنها حذرت من أن التحدي الأبرز يتمثل في ما وصفته بـ«الامتثال المفرط»، إذ قد تلجأ المصارف والشركات ومزودو الخدمات التقنية والتأمينية إلى قطع تعاملاتهم مع المحكمة، خشية التعرض لعقوبات أمريكية، حتى في الحالات التي تسمح فيها التراخيص باستمرار بعض المعاملات. وبحسب الورقة، فإن مثل هذه الممارسات قد تضغط على مصادر التمويل والخدمات الأساسية للمحكمة، ما يجعل مواجهة العقوبات مرتبطة بتوفير بدائل مصرفية وتقنية وتأمينية، وليس بمجرد تأمين قنوات دفع بديلة عن الدولار.
رفض أوروبي دون ضمانات تنفيذية كافية
في تقييمها للمواقف الدولية، أشارت الورقة إلى وجود فجوة بين التصريحات الأوروبية الرافضة للعقوبات الأمريكية والخطوات العملية اللازمة للحد من آثارها. وقالت إن مؤسسات أوروبية عبّرت عن دعمها للمحكمة ورفضها استهداف استقلالها، لكن هذه المواقف لم تتحول، وفق تقييم الورقة، إلى منظومة تنفيذية متكاملة تضمن استمرارية المعاملات المصرفية والخدمات التقنية وحماية المؤسسات التي تتعامل معها. ودعت في هذا السياق إلى تفعيل نظام التعطيل الأوروبي، وإنشاء آلية مؤسسية تضمن استمرار المدفوعات ورواتب العاملين بالمحكمة بعيدًا عن الضغوط المرتبطة بالنظام المالي الأمريكي، إلى جانب توفير بدائل أوروبية للخدمات السحابية والتأمين والتقنيات التي تعتمد عليها المحكمة في أعمالها.
مذكرات التوقيف لا تسقط بالعقوبات
أكدت الورقة أن إدراج المحكمة على قائمة العقوبات الأمريكية لا يلغي مذكرات التوقيف الصادرة عنها بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، ولا يسقط الالتزامات القانونية المترتبة على الدول الأطراف في نظام روما الأساسي. غير أنها حذرت من أن بقاء المذكرات سارية لا يضمن تنفيذها تلقائيًا، إذ يظل ذلك مرتبطًا بمدى التزام الحكومات المعنية بتعهداتها القانونية واستعدادها لاتخاذ خطوات عملية عند وجود المطلوبين على أراضيها. واستعرضت الورقة في هذا الإطار إخفاق المجر في تنفيذ مذكرة التوقيف بحق نتنياهو خلال زيارته إليها في أبريل/نيسان 2025، مقابل تعهدات أصدرتها دول أخرى بالالتزام بقرارات المحكمة، لم يخضع معظمها، بحسب الورقة، لاختبار عملي مماثل. ورأت أن هذا التباين يعكس اتساع الفجوة بين الالتزامات القانونية المعلنة ومستوى تنفيذها الفعلي، ويثير تساؤلات بشأن قدرة الدول الأطراف على حماية استقلال المحكمة وضمان تنفيذ قراراتها.
توصيات لحماية مسار المساءلة
قدمت الورقة مجموعة من التوصيات الرامية إلى الحد من التداعيات المحتملة للعقوبات الأمريكية، وفي مقدمتها الضغط لتفعيل نظام التعطيل الأوروبي، وإنشاء قناة مالية تضمن استمرار مدفوعات المحكمة ورواتب موظفيها، وتسريع انتقالها إلى بدائل تقنية وتأمينية أوروبية. كما دعت إلى الحصول على تعهدات رسمية مكتوبة وعلنية من الدول الأطراف بشأن تنفيذ مذكرات التوقيف، وتوفير حماية قانونية ومالية للمنظمات الحقوقية الفلسطينية التي طالتها العقوبات الأمريكية. وشددت كذلك على أهمية تفعيل مبدأ الاختصاص القضائي العالمي أمام المحاكم الوطنية في الدول التي تسمح قوانينها بذلك، بما يتيح مسارات قانونية موازية للمساءلة عن الجرائم المرتكبة في قطاع غزة، ويحد من الاعتماد على مسار قضائي واحد.
مستقبل المحكمة مرهون بخطوات الدول
في تقديرها للمرحلة المقبلة، رجحت الورقة احتمال احتواء جزء من تداعيات العقوبات، بالتزامن مع استمرار تراجع بعض قدرات المحكمة وشبكة الخدمات المرتبطة بها، إذا لم تتخذ الدول الأوروبية خطوات تنفيذية سريعة لحمايتها. ولفتت إلى أن الترخيص الأمريكي العام رقم 13 يسمح باستمرار معاملات محددة تتصل بعمليات المحكمة حتى 7 أبريل/نيسان 2027، معتبرة أن الفترة المقبلة تمثل فرصة أمام الدول الداعمة للمحكمة لتوفير ضمانات مالية ومؤسسية تقلل من آثار العقوبات. وخلصت الورقة إلى أن الإجراءات الأمريكية لا تعني انهيار المحكمة الجنائية الدولية، كما أن استمرار عملها ليس مضمونًا من دون دعم دولي عملي، مؤكدة أن مستقبل المساءلة عن الجرائم المرتكبة في غزة سيتوقف على قدرة الدول على تحويل مواقفها السياسية الرافضة للعقوبات إلى التزامات قانونية ومالية ومؤسسية قابلة للتنفيذ. وأوضحت أن الورقة تأتي ضمن إصدارات المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، الهادفة إلى تقديم قراءات بحثية وتقديرات موقف للتطورات السياسية والقانونية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة