معركة السردية الفلسطينية: كيف تُبنى الرواية في ظل حرب غزة؟


هذا الخبر بعنوان "من يروي حرب غزة ويصنع السردية الفلسطينية ؟ - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، لا تقتصر معركة الرواية الفلسطينية على مجرد توثيق المجازر والدمار، بل تتعمق في كيفية بناء هذه الرواية، ومن يحدد وقائعها ومصطلحاتها وسياقاتها التفسيرية. في مواجهة خطاب إسرائيلي يسعى لتبرير الحرب والتشكيك في الرواية الفلسطينية، يصبح العمل الإعلامي جزءًا لا يتجزأ من الصراع على الحقيقة والذاكرة والهوية. الصحفي، بقراراته التحريرية، يشارك في تشكيل المعنى وكيفية تذكر الجمهور للأحداث.
تتناول دراسة للباحث والمحلل السياسي إياد إبراهيم القرا، رئيس قسم الإعلام في كلية فلسطين التقنية بغزة، هذه القضية في بحث بعنوان «بناء السردية الفلسطينية خلال معركة طوفان الأقصى»، نُشر في مجلة «دراسات الإنسان والمجتمع». تبحث الدراسة في آليات بناء السردية الفلسطينية من منظور الصحفيين في غزة والضفة الغربية.
واقع إعلامي غير متكافئ
تنطلق الدراسة من أن السردية الفلسطينية تتجاوز نقل الأخبار لتصبح جزءًا من صراع أوسع على الهوية والذاكرة والشرعية، في ظل محاولات فصل الوقائع عن سياقها التاريخي والقانوني والإنساني. يرى القرا أن التحول الرقمي أعاد تشكيل دور الصحفي، فلم يعد مقتصرًا على نقل المعلومات، بل أصبح شريكًا في تفسير الأحداث وتأطيرها وتشكيل الذاكرة الجمعية، وهو دور برزت أهميته منذ «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023. لكن هذا الدور يُمارس في ظروف متباينة؛ فالصحفي في غزة يعمل تحت القصف والحصار وفقدان الزملاء، بينما يواجه الصحفي في الضفة الغربية الاقتحامات والاعتقالات والقيود.
السردية لا تتشكل تلقائيًا
تؤكد الدراسة أن السردية الإعلامية لا تنشأ بصورة تلقائية، بل تتشكل عبر قرارات تحريرية متتابعة: اختيار الحدث، تحديد أولوياته، تسمية الفاعلين، انتقاء المصطلحات، واختيار المصادر والأطر التفسيرية. تستند الدراسة إلى نظريتي «حراسة البوابة» و«الأطر الإعلامية» لتفسير هذه العملية. لم تعد هذه البوابات محصورة في غرف الأخبار، بل أصبحت المنصات الرقمية والخوارزميات وسياسات المحتوى عوامل مؤثرة في وصول الرواية الفلسطينية وانتشارها.
ثلاثة مستويات لبناء الرواية الفلسطينية
تقترح الدراسة نموذجًا تحليليًا للسردية الفلسطينية يتكون من ثلاثة مستويات: «سردية النظام» (الإطار العام الذي يربط الأحداث بالاحتلال والحقوق والهوية)، «سردية القضية» (تناول الملفات الرئيسية مثل الحرب على غزة والقدس والأسرى)، و«السردية المهنية اليومية» (القرارات التحريرية المباشرة كالعنوان والمصطلح والصورة).
الإنسان والسياق والتوثيق في صدارة الاهتمامات
أظهرت نتائج الدراسة أن البعد الإنساني ومعاناة المدنيين يأتيان أولًا، يليهما سياق الاحتلال الممتد، ثم الحق في الأرض وتقرير المصير. يؤكد القرا على تداخل الأبعاد الإنسانية والوطنية والتاريخية في بناء السردية، خاصة عند مخاطبة الجمهور الدولي، حيث لا يكفي عرض الدمار وأعداد الضحايا، بل يجب ربط الوقائع بسياقها التاريخي والقانوني.
من الجهود الفردية إلى البناء المؤسسي
تقترح الدراسة مجموعة من المقترحات لتحويل بناء السردية الفلسطينية إلى عمل مؤسسي، منها: تطوير سياسات تحريرية، إنشاء أرشيف رقمي وطني موثّق، إعداد دليل تحريري للمصطلحات، بناء قواعد بيانات رقمية، وتدريب الصحفيين على الموازنة بين سرعة النشر ودقة المعلومات. كما تقترح إنشاء مرصد إعلامي لمتابعة السرديات المتداولة ورصد أنماط التأطير.
تفتح الدراسة المجال لأبحاث لاحقة حول تأثير خوارزميات المنصات الرقمية والصمود المهني للصحفيين واحتياجاتهم النفسية.
معركة الرواية تبدأ من غرفة الأخبار
تؤكد الدراسة أن بناء السردية الفلسطينية قضية تتجاوز المضمون السياسي لتشمل تفاصيل العمل الصحفي اليومي. العنوان والمصطلح والصورة والمصدر والسياق عناصر أساسية تؤثر في فهم الجمهور للوقائع. في حرب تتواصل فيها محاولات التأثير على تفسير ما جرى، يصبح توثيق الأحداث وحفظ الشهادات وربط الوقائع بسياقها جزءًا من حماية الذاكرة الجماعية وإتاحة الأدلة للأجيال القادمة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة