بن غفير: خطاب متطرف يتجاوز الهامش ليصبح صلب السياسة الإسرائيلية


هذا الخبر بعنوان "كيف يصفع "بن غفير" وجه العالم بحذائه في كل مرة يتحدث فيها؟ | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكتفِ وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير بالدعوة إلى قتل عشرات الفلسطينيين في قطاع غزة كل ليلة، أو بتأكيده أن هناك فلسطينيين "لا يستحقون الحياة"، بل تجاوز ذلك ليواجه الانتقادات الدولية بتصريحات تكشف احتقاره لفكرة المحاسبة. في مقابلة صحفية، أُبلغ بن غفير بأن تصريحاته بشأن سقوط عشرات الفلسطينيين يوميًا في غزة أثارت ضجة واسعة، فرد قائلاً: "ممتاز، ممتاز.. أفضل أن يبكوا هم، على أن تبكي أم يهودية على ابنها الجندي." وعندما حاولت الصحفية تحذيره من ضرورة الحديث بمسؤولية لأن "إسرائيل" تتعامل مع العالم، لم يتراجع عن منطقه، بل بدا وكأن اعتراضها هو المشكلة.
لا يتعلق الأمر بتصريح صادم آخر لمسؤول إسرائيلي، فبن غفير، الذي يشغل منصبًا أمنيًا رفيعًا، يبدو أنه يتحدث من داخل منظومة سياسية ترى في موت الفلسطينيين تكلفة مقبولة ما دام الإسرائيليون أقل عرضة للخطر. قبل أيام من هذه المقابلة، كان بن غفير قد أثار انتقادات واسعة بعد ظهوره في بودكاست مع الأسير الإسرائيلي السابق روم براسلافسكي، حيث انتقد تراجع وتيرة الضربات الإسرائيلية على غزة، معلنًا اختلافه مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، داعيًا إلى تنفيذ اغتيالات في غزة و"القضاء على 30 إلى 40" شخصًا كل ليلة. ولم يقتصر دعوته على من يشكلون خطرًا مباشرًا، بل أضاف أن هناك أشخاصًا في غزة "لا يستحقون الحياة" و"ليسوا حتى بشرًا"، وفقًا لوسائل إعلام إسرائيلية ودولية.
لم يتوقف الأمر عند الدعوة إلى القتل، إذ قال بن غفير في المقابلة نفسها إنه يرى "كل غزة لنا"، ودعا إلى تشجيع هجرة الفلسطينيين من القطاع وإقامة مستوطنات إسرائيلية فيه. الصورة تتضح: الرجل لا يتحدث عن عملية عسكرية محددة، بل يطرح تصورًا كاملًا لغزة: قتل، وتهجير، واستيطان. وهذا ما يجعل تصريحه الأخير بشأن "الأم اليهودية" أكثر خطورة، فهو يأتي بعد أيام فقط من خطاب ينزع عن فلسطينيين في غزة صفة الاستحقاق بالحياة.
كان يمكن لبن غفير، كوزير في حكومة تسعى للحفاظ على علاقاتها الدولية، أن يتراجع أو يعيد صياغة كلامه. لكنه اختار العكس. حين قيل له إن تصريحاته أثارت غضبًا واسعًا، جاء رده: "ممتاز، ممتاز"، ثم وضع دموع الفلسطينيين في مواجهة دموع أم "إسرائيلية" على ابنها الجندي. المفارقة أن المذيعة نفسها شعرت بالحاجة إلى تنبيهه إلى أن "إسرائيل" تتعامل مع العالم، وكأنها تدرك أن الكلمات التي ينطق بها وزير لا تبقى داخل حدود الخطاب السياسي الداخلي. لكن بن غفير لم يتصرف كمن يخشى على صورة حكومته، بل كمن يرى أن غضب العالم دليل على أن رسالته وصلت.
خطاب بن غفير لا يضع حياة الفلسطينيين وحدها في مرتبة أدنى. ففي مواقف سابقة، استخدم لغة تقوم على الفكرة نفسها: حماية الإسرائيليين لا تتحقق إلا إذا دفع الآخرون الثمن. وفي هذا السياق، سبق أن تحدث عن ضرورة ألا تكون هناك دمعة لأم إسرائيلية مقابل دموع أمهات لبنانيات.
لم يصل بن غفير إلى وزارة الأمن القومي قادمًا من التيار السياسي الإسرائيلي التقليدي؛ فقد كان عضوًا في حركة "كاخ" التي أسسها الحاخام مائير كهانا، وهي حركة حُظرت في "إسرائيل" وصُنفت منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة. في عام 2007، أُدين بن غفير في محكمة إسرائيلية بتهمة التحريض على العنصرية ودعم منظمة إرهابية، على خلفية حمله شعارات تدعو إلى طرد العرب وتؤيد أفكار كهانا. كما رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية لاحقًا طعنًا في إدانته المتعلقة بالتحريض على العنصرية. وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أنه كان عضوًا سابقًا في "كاخ"، ولديه ثماني إدانات جنائية، من بينها دعم منظمة إرهابية والتحريض على العنصرية، كما وثقت علاقته بإرث التيار الكهاني.
المفارقة الكبرى أن الرجل الذي كان يومًا جزءًا من هامش اليمين الإسرائيلي المتطرف أصبح اليوم وزيرًا للأمن القومي وواحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في حكومة نتنياهو. وبحسب تقارير حديثة، فهو لا يملك سلطة مباشرة على الجيش، لكنه يسيطر على الشرطة الإسرائيلية ومصلحة السجون، ويشغل موقعًا داخل المجلس الوزاري الأمني.
مسار بن غفير السياسي لا يقتصر على ملف غزة. فخلال فترة توليه وزارة الأمن القومي، ارتبط اسمه بسياسات أكثر تشددًا تجاه الأسرى الفلسطينيين، بما في ذلك تقليص امتيازاتهم. وفي عام 2025، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بأن سياسة مصلحة السجون لم توفر للفلسطينيين الحد الأدنى من الغذاء اللازم للبقاء، وأمرت الحكومة بتحسين كمية ونوعية الطعام المقدمة لهم. وفي الوقت نفسه، واصل بن غفير دعم عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين، وجعل هذه القضية جزءًا أساسيًا من خطابه السياسي. وبذلك لا يصبح تصريح "أفضل أن تبكي أم يهودية على ابنها الجندي" منفصلًا عن مساره السياسي؛ بل يأتي ضمن خطاب أوسع يرى أن تشديد العقاب، والقتل، والتجويع، والتهجير، والاستيطان أدوات مشروعة لتحقيق الأمن والسيطرة.
الأخطر في قصة بن غفير أن الرجل لم يعد يمثل نفسه فقط، فهو رئيس حزب "القوة اليهودية"، وشريك أساسي في الائتلاف الحكومي، وقد تحول خلال السنوات الأخيرة من شخصية كانت تقف على هامش السياسة الإسرائيلية إلى لاعب مؤثر في قرارات الحكومة. وفي الانتخابات المقبلة المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، يبرز صعود التيار اليميني المتطرف باعتباره جزءًا من المشهد السياسي الإسرائيلي، وهو ما يجعل تصريحات بن غفير أبعد من كونها تصريحات شخصية لرجل معروف باستفزازاته.
لم يكن بن غفير يصفع العالم بحذائه في كل مرة يتحدث فيها، بقدر ما كان يكشف له، مرة بعد أخرى، أن هذا الخطاب المتطرف لم يعد هامشًا في إسرائيل، بل أصبح جزءًا من الخطاب السياسي الذي يصدر من قلب حكومتها. في كل مرة يتحدث فيها بن غفير، يبدو أن الرجل لا يكتفي بخرق حاجز جديد في خطاب الكراهية؛ بل يدفع هذا الحاجز أمامه خطوة أخرى. من الدعوة إلى قتل 30 أو 40 فلسطينيًا كل ليلة، إلى القول إن هناك من "لا يستحقون الحياة"، مرورًا بالدعوة إلى تهجير سكان غزة وإقامة المستوطنات فيها، وصولًا إلى تفضيل بكاء الأمهات الفلسطينيات على بكاء أم "إسرائيلية"، تتشكل أمامنا صورة خطاب لا يتعامل مع الحرب بوصفها مأساة إنسانية، بل بوصفها معادلة يكون فيها موت الفلسطينيين ثمنًا مقبولًا لحماية "الإسرائيليين".
سياسة
ثقافة
اقتصاد
عاجل