غزة بعد عام: 18 مليار دولار تعهدات بلا إعمار.. خطة سلام متعثرة على الورق


هذا الخبر بعنوان "على الورق.. 18 مليار دولار لغزة.. خطة تعافٍ وسلام بلا سلام | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، أعلن "مجلس السلام"، الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن تعهدات مالية بقيمة 18 مليار دولار لإعادة الإعمار، واصفًا ذلك بالإنجازات التي حققتها خطته للقطاع. إلا أن هذه التعهدات لم تترجم إلى إعمار شامل، بينما لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أجزاء واسعة من غزة، وتتواصل الهجمات وسقوط الضحايا الفلسطينيين، ويتعثر الانسحاب الإسرائيلي ونقل الإدارة إلى لجنة فلسطينية ونشر القوة الدولية المقترحة.
فجوة بين المعلن والواقع
في بيان بمناسبة الذكرى الأولى للاتفاق الذي بدأ تنفيذه في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أشاد المجلس بدور ترامب وفريقه، بمن فيهم جاريد كوشنر والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية ماركو روبيو، في التوصل إلى الاتفاق ووضع إطار سياسي وأمني لمستقبل القطاع. ووصف المجلس الاتفاق بأنه محطة تاريخية في الشرق الأوسط، مستندًا إلى استكمال ملف الأسرى الإسرائيليين، وإنشاء آليات دولية للإدارة الانتقالية، ووضع خطط للتعافي والإعمار. غير أن تقارير "رويترز" و"أسوشيتد برس" بمناسبة الذكرى أظهرت فجوة بين الأهداف المعلنة والواقع، إذ لم تبدأ إعادة الإعمار الشاملة، ولم تُنجز ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي ونقل الإدارة الفلسطينية.
أفادت شبكة "فوكس نيوز" الأمريكية، في تقرير نشرته في 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بأن مجلس السلام حصل على تعهدات بنحو 18 مليار دولار لإعادة إعمار غزة، استنادًا إلى معلومات نقلتها عن هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي". وقال مسؤول في المجلس إن المرحلة المقبلة تتضمن برنامجًا مدته ستة أشهر يضم 66 مبادرة للتعافي، تشمل إزالة الركام والذخائر غير المنفجرة، وتوفير مساكن مؤقتة، وتنفيذ أعمال مرتبطة بالبنية التحتية.
وكان المجلس قد أعلن في تقرير قدمه إلى مجلس الأمن الدولي في مايو/أيار الماضي أن التعهدات بلغت نحو 17 مليار دولار، مؤكدًا استعداده للانتقال إلى التنفيذ بعد استكمال الترتيبات الأمنية والسياسية. كما أعلن، خلال اجتماعه التأسيسي في واشنطن يوم 19 فبراير/شباط 2026، إنشاء صندوق لإعمار غزة وتطويرها بإدارة البنك الدولي، لتمويل المشاريع والإشراف عليها. لكن التعهدات لا تعني أن الأموال صُرفت أو أن المشاريع بدأت فعليًا. وأفادت صحيفة «واشنطن بوست»، في تقرير نشرته يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول، بأن المجلس يمتلك مشاريع معدّة للتنفيذ وموارد أولية، غير أن الخلافات مع الحكومة الإسرائيلية بشأن نزع سلاح حماس، ودخول الإدارة الفلسطينية، وترتيبات القوة الدولية، تعرقل الانتقال إلى الإعمار.
دون تنفيذ
تُقدّر المؤسسات الدولية احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار أو أكثر، ما يعني أن التعهدات المعلنة، حتى إذا صُرفت كاملة، لن تغطي سوى جزء من الاحتياجات الناجمة عن الدمار الواسع. يستند مجلس السلام إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، الصادر في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، الذي أيد الخطة الأمريكية الشاملة بشأن غزة، ورحب بإنشاء المجلس ضمن ترتيبات الإدارة الانتقالية. وأجاز القرار إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار، ولجنة فلسطينية تكنوقراطية تتولى المسؤوليات الإدارية والمدنية خلال المرحلة الانتقالية.
وقال المجلس في تقريره إن 28 دولة انضمت إلى عضويته، وإنه أحرز تقدمًا في إنشاء الهياكل السياسية والمالية والأمنية اللازمة لتنفيذ الخطة. لكن التقرير أقر بأن إعادة الإعمار لا تزال مرتبطة بترتيبات نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي ونقل المسؤوليات الأمنية والإدارية. ولا يعني تأييد مجلس الأمن للإطار السياسي أن الخطة نُفذت أو أن أهدافها تحققت، كما لا يلغي الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين وحقوق الفلسطينيين وتقرير المصير.
وكان المجلس قد نشر في 30 يوليو/تموز 2026 خارطة طريق تضمنت ترتيبات تدريجية لإدارة غزة والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار، مع التأكيد على توحيد السلطة والقانون والسلاح في القطاع. ونصت الوثيقة على وقف العمليات العسكرية واستكمال الانسحاب بالتوازي مع الترتيبات الأمنية الفلسطينية والدولية، لكن الخلافات بشأن هذه الملفات أبقت الانتقال إلى المرحلة التالية متعثرًا. ومن أبرز العقبات عدم تمكّن اللجنة الوطنية الفلسطينية المكلفة بإدارة الشؤون المدنية والخدمات وإعادة الإعمار من دخول غزة ومباشرة مهامها من داخلها. وبحسب تقرير نشرته "الجزيرة" في 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، فإن اللجنة التي يرأسها علي شعث وتضم شخصيات فلسطينية متخصصة تواصل عملها من القاهرة، دون أن تتسلم مسؤولياتها ميدانيًا. ويتزامن ذلك مع عدم انتشار القوة الدولية المقترحة، واستمرار الخلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية. ويعني بقاء اللجنة خارج القطاع أن نقل الإدارة المدنية لم يتحول إلى واقع، فيما يحتاج السكان إلى إعادة تشغيل المرافق الصحية والتعليمية وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، إلى جانب إزالة الركام وإعادة بناء المنازل. وبذلك، لا يقتصر التعثر على تأخر البناء، بل يشمل الجهة التي ستدير التعافي والظروف الأمنية والسياسية التي ستسمح بتنفيذه، ومدى قدرة الفلسطينيين على استعادة إدارة شؤونهم المدنية في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية.
استمرار الحرب
في مسعى لتأكيد الدعم الدولي، استشهد مجلس السلام بموقف وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، التي دعت إلى التعامل مع خطة ترامب باعتبارها إطارًا يمكن البناء عليه لدفع الأطراف نحو التنفيذ، رغم تحفظاتها على بعض جوانبها. وفي مقال نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في 18 يونيو/حزيران الماضي، اعتبرت كلينتون أن خطة النقاط العشرين تمثل إطارًا يجمع النفوذ السياسي والموارد المحتملة لدفع الأطراف نحو التنفيذ، ودعت الحكومات الأوروبية والقوى الدولية إلى المشاركة في تطويرها بدل الابتعاد عنها. لكنها أقرت بوجود اعتراضات تتعلق بآليات الحكم الفلسطيني والتمثيل السياسي وطبيعة الإدارة الدولية المقترحة، ما يعني أن موقفها لا يمثل تأييدًا غير مشروط لجميع بنود الخطة، ولا يبدد الخلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي والإدارة الفلسطينية وإعادة الإعمار.
في مقابل إعلان المجلس إنجازات سياسية ومالية، لا تزال الأوضاع الميدانية والإنسانية تكشف محدودية التغيير في حياة الفلسطينيين. وبحسب تقرير لوكالة «رويترز» نُشر في 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على نحو ثلثي مساحة القطاع، فيما أسفرت الهجمات الإسرائيلية منذ بدء الاتفاق عن استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني، وفق بيانات السلطات الصحية في غزة. وأفادت «أسوشيتد برس» بأن الاتفاق أوقف العمليات العسكرية الكبرى وأتاح استكمال تبادل الأسرى، لكنه لم يحقق استقرارًا دائمًا، بسبب استمرار الخلافات بشأن الترتيبات الأمنية والإدارة الفلسطينية ومستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي.
ورغم التحسن النسبي في دخول المساعدات مقارنة بفترات الحرب السابقة، لا يزال أكثر من مليون فلسطيني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وفق التقرير المشار إليه في المادة الأصلية. كما يعيش أعداد كبيرة من السكان في الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة، وسط دمار واسع طال المساكن والمرافق الصحية والتعليمية وشبكات المياه والصرف الصحي. ولم يترافق وقف إطلاق النار مع انسحاب إسرائيلي كامل أو إعادة إعمار شاملة، فيما لا تزال العائلات النازحة تواجه صعوبات في العودة إلى مناطقها واستعادة مساكنها ومصادر رزقها.
التعهدات لا تعني التعافي
يواجه مجلس السلام تساؤلات بشأن موقفه من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، في ظل استمرار الحاجة إلى خدماتها في التعليم والصحة والإغاثة. ونقلت "فوكس نيوز" عن منشور للمجلس على منصة "إكس" موقفًا يستبعد التعاون مع الوكالة، استنادًا إلى اتهامات تتعلق بمدى استيفائها المعايير المعتمدة لدى المجلس لشركائه. وتمثل هذه الاتهامات موقف المجلس، ولا ينبغي اعتبارها إثباتًا بحق الوكالة أو العاملين فيها دون نتائج تحقيقات مستقلة. ويثير استبعاد الأونروا تساؤلات بشأن الجهات التي ستتولى تقديم الخدمات الأساسية للاجئين، ودور الوكالة في التعافي وإعادة تشغيل المرافق، في وقت تتطلب فيه احتياجات القطاع تنسيقًا واسعًا وموارد كبيرة ووصولًا مستقرًا إلى السكان.
وبعد عام على الاتفاق، يركز مجلس السلام على استكمال ملف الأسرى الإسرائيليين، وتأسيس مؤسساته، وحشد التعهدات المالية، والحصول على دعم سياسي دولي، باعتبارها خطوات تمهد لمرحلة جديدة. لكن الأهداف الأكثر ارتباطًا بحياة الفلسطينيين لم تتحقق بعد؛ فالانسحاب الإسرائيلي الكامل لم يُنجز، وإعادة الإعمار الشاملة لم تبدأ، واللجنة الفلسطينية لم تتسلم إدارة القطاع من داخله، والقوة الدولية المقترحة لم تنتشر، فيما لا يزال السكان يواجهون آثار الدمار والنزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية. ويظل تنفيذ الخطة في عامها الثاني مرهونًا بتحويل التعهدات والقرارات إلى خطوات ملموسة تسمح بدخول مواد البناء والمعدات، وإزالة الركام والذخائر غير المنفجرة، وإعادة بناء المنازل والمرافق، وتمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم. وبين احتفاء مجلس السلام بالذكرى الأولى واستمرار المعاناة في غزة، يبقى معيار نجاح الاتفاق هو إنهاء الهجمات، وانسحاب قوات الاحتلال، وعودة النازحين، وإعادة بناء المنازل والخدمات، واستعادة الفلسطينيين قدرتهم على إدارة حياتهم؛ لا عدد الاجتماعات ولا قيمة التعهدات المعلنة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة