من رواية "الشوك والقرنفل" إلى المشهد الأخير: يحيى السنوار.. حياة بين الكلمة والمواجهة


هذا الخبر بعنوان "الشوك والقرنفل.. حكاية المشهد الأخير | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن كلمات يحيى السنوار في روايته "الشوك والقرنفل" مجرد سطور نسجها الخيال، بل بدت بعد رحيله كأنها موعد مؤجل مع قدر يعرف صاحبه الطريق إليه. في الرواية، يخبر أحد الأبطال أمه بأنه رأى نفسه يقتحم موقعًا للعدو، ويقاتل حتى الشهادة، ثم يرى نفسه بين يدي رسول الله ﷺ في جنات النعيم. هذه الكلمات، التي كانت جزءًا من رواية، استدعت اليوم صورة صاحبها، وفتحت بابًا للتأمل في المسافة بين ما يكتبه الإنسان وما يعيشه.
كأن السنوار، وهو يخط حكاية بطله من خلف القضبان، ترك في صفحات الرواية شيئًا من روحه وأحلامه وصورة النهاية التي تخيلها. سنوات طويلة قضاها في الأسر، لكن السجن لم يستطع حبس خياله أو انتزاع قدرته على رسم المشهد الذي أراد أن يكون عليه حين تحين المواجهة.
ثم دارت الأيام، وخرجت الكلمات من صفحات الرواية لتلتقي بواقع جسّد المشهد الأخير للقائد المشتبك؛ الذي تنقل بين البيوت والمواقع في رفح، يترصد العدو ويتحين المواجهة، بعد رحلة طويلة من الاعتقال والملاحقة والعمل المقاوم. في المشاهد الأخيرة، لم تكن الصورة لرجل يراقب المعركة من بعيد، بل لرجل وجد نفسه في قلبها، وسط الركام والغبار، في المكان الذي اختار أن يكون فيه. هناك، تراجعت المسافات بين الحكاية والحقيقة، وبدت صفحات قديمة وكأنها تُفتح من جديد، لا بالحبر، بل بالصورة والواقع.
كانت آثار القصف واضحة، تحكي عما جرى حتى وصل السنوار إلى لحظته الأخيرة. كان جريحًا، محاصرًا بالجنود والآليات والطائرات، وقد استُنزفت أدواته القتالية، ولم يبقَ سوى عصاه التي أخذ يلوّح بها نحو الطائرات المسيّرة المحلقة فوقه، فيما بدا المشهد وكأنه يقترب من النهاية. لكن نهاية رجل صاغ معالم طريقه لا تعني الاستسلام؛ رفع عصاه وقذفها نحو الطائرة، في مشهد تجاوز حدود اللحظة، واختصر حكاية رجل لم يتخلَّ عن موقفه حتى الرمق الأخير.
لم تكن العصا سلاحًا يوازي القوة التي واجهها، لكنها غدت رمزًا للمواجهة ورسالة تختصر حياته وموقفه، وكأنه يترك للعالم وصيته الأخيرة: أن المواقف لا تُقاس بحجم الأدوات، بل بما تحمله من معانٍ وإصرار. هكذا كان المشهد الأخير لصاحب العصا؛ نهاية رجل وبقاء حكاية، وصورة تختصر مسيرة بدأت بالاعتقال وانتهت بالشهادة، وتؤكد أن بعض المواقف تعيش أطول من أصحابها.
لقد ترك السنوار وراءه رواية يمكن قراءتها بوصفها شهادة أدبية على زمن مثقل بالصراع، وترك معها حكاية القائد المشتبك، لتلتقي في تجربته صورة الإنسان الذي يكتب بالقلم، والقائد الذي يخوض المواجهة. ربما لم يكن بطلنا، وهو يضع النقطة الأخيرة في روايته، يعرف أي الصفحات ستعود إليها الأجيال، ولا أي العبارات ستكتسب حياة جديدة بعد رحيله، لكنه ترك كلمات تبدو اليوم أقرب إلى صاحبها، بعدما استعادها القراء في ضوء مشهده الأخير. وهكذا، بين "الشوك والقرنفل" ومشهد النهاية، بقيت الذاكرة الفلسطينية مفتوحة على حكاية غاب صاحبها، لكن كلماته بقيت، وعاد مشهده الأخير حاضرًا في الذاكرة؛ فبعض الروايات لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ حياة أخرى في قلوب الذين يقرؤونها بعد رحيل كاتبها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة