شمال غزة: 105 أيام من الرعب والدمار والحصار تحت «خطة الجنرالات»


هذا الخبر بعنوان "مقال: شمال غزة.. 105 أيام من القتل والدمار والحصار في ظل «خطة الجنرالات» - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن الفترة من 6 أكتوبر 2024 إلى 19 يناير 2025 مجرد عملية عسكرية إسرائيلية في شمال قطاع غزة، بل كانت مرحلة قاسية عاش خلالها مئات الآلاف من الفلسطينيين تحت القصف والحصار والنزوح والخوف من الموت في أي لحظة. على مدار 105 أيام، واجه سكان بيت حانون وبيت لاهيا ومخيم جباليا ومدينة جباليا وبلدة النزلة واحدة من أعنف مراحل الحرب على القطاع، في ظل اجتياح بري وقصف جوي ومدفعي مكثف، وتدمير واسع للمنازل والبنية التحتية، وتضييق شديد على وصول المساعدات الإنسانية، مما شكل إبادة حقيقية.
وفق تقديرات فلسطينية، استُشهد قرابة أربعة آلاف فلسطيني خلال هذه المرحلة، فيما لا تزال الحصيلة النهائية بحاجة إلى توثيق، في ظل وجود مفقودين تحت الأنقاض وصعوبة الوصول إلى مناطق واسعة تعرضت للتدمير والحصار.
لم تسلم أي من مناطق شمال غزة من آثار العملية العسكرية الإسرائيلية. فقد تعرضت بيت حانون لدمار واسع، وطالت عمليات التدمير أحياء بيت لاهيا ومخيم جباليا ومدينة جباليا وبلدة جباليا النزلة، حيث تحولت أحياء سكنية كاملة إلى مساحات من الركام، وتضررت آلاف المباني والمنشآت. لم يكن الدمار مقتصرًا على المنازل التي أخليت من سكانها، بل شمل مباني سكنية قصفت بينما كانت عائلات وأطفال ونازحون يحتمون داخلها، لتتحول أماكن اللجوء إلى مقابر جماعية تحت الأنقاض.
لقد ترك القصف والتفجيرات المتواصلة عددًا كبيرًا من المنازل مدمرة أو متصدعة، فيما أصبحت شوارع وأحياء بأكملها غير قابلة للتعرف عليها بسهولة، وتعرضت مرافق المياه والصرف الصحي والخدمات الأساسية كالصحية والتعليمية لدمار شامل.
لم تقتصر معاناة أهالي الشمال على القصف والتدمير؛ فقد واجهت عائلات فلسطينية ظروفًا شديدة القسوة خلال محاولاتها البقاء أو الخروج من المناطق المحاصرة. وتحدثت روايات الأهالي عن حواجز عسكرية إسرائيلية أُجبر مدنيون على المرور عبرها، وعن اعتقال مئات الأشخاص، وإخضاع عائلات لإجراءات مهينة وقاسية أثناء النزوح. كما شكلت الطائرات المسيّرة، بما فيها المسيّرات المعروفة باسم «كواد كابتر»، مصدر رعب دائم للعائلات، وفق شهادات من المنطقة تحدثت عن ملاحقة المدنيين في الشوارع وبين المنازل، وإجبار بعضهم على التحرك باتجاه نقاط عسكرية إسرائيلية.
وفي ظل انقطاع الاتصالات وصعوبة وصول الصحفيين وفرق الإنقاذ، بقيت قصص كثيرة حبيسة ذاكرة الناجين، ولم تصل تفاصيلها كاملة إلى الرأي العام. وقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تحديثه الصادر في 8 يناير 2025، أن 165 محاولة أممية للوصول إلى منطقة شمال غزة المحاصرة بين 6 أكتوبر و31 ديسمبر 2024 واجهت عراقيل؛ إذ رُفضت 149 محاولة، بينما سُمح بـ16 محاولة بالمضي قدمًا لكنها واجهت عوائق. وهذا يعكس حجم القيود الإسرائيلية التي واجهت جهود الإغاثة في تلك الفترة.
من أكثر المشاهد إيلامًا في شمال غزة اختفاء عائلات بأكملها تحت أنقاض منازلها، وفقدان أسرٍ لأبنائها وآبائها وأمهاتها وأطفالها في لحظات واحدة وكل ذلك بفعل الصواريخ والقنابل الإسرائيلية. هذه المآسي لا يمكن اختزالها في أرقام الشهداء وحدها؛ فلكل رقم حكاية، ولكل منزل مدمر حياة كانت قائمة، وذكريات وأحلام وأسماء لم يعد أصحابها قادرين على روايتها.
إن توثيق هذه القصص ليس مجرد عمل إعلامي، بل ضرورة إنسانية وتاريخية، تحفظ أسماء الشهداء وشهادات الناجين، وتمنع اختزال ما حدث في إحصاءات تتغير مع مرور الوقت.
إن ما جرى في شمال غزة خلال تلك الأيام يستدعي مشروعًا جادًا لتوثيق الشهادات الفردية والجماعية، ورصد أسماء الشهداء والمفقودين والمعتقلين، وتسجيل تفاصيل تدمير الأحياء والمنازل، وجمع الصور ومقاطع الفيديو والوثائق الطبية وشهادات الناجين. ويجب أن يجري ذلك وفق منهج مهني يحفظ الأدلة الأصلية، ويتحقق من التواريخ والأماكن والأسماء، ويفصل بين الشهادة المباشرة والمعلومات غير المؤكدة، بما يضمن حماية الشهود وإمكانية الاستفادة من المواد الموثقة مستقبلًا. فالتاريخ لا يُكتب بالأرقام وحدها، بل بشهادات الذين عاشوا الأحداث، وبالأسماء التي ينبغي ألا تُنسى، وبالحقائق التي يجب أن تبقى متاحة للأجيال المقبلة.
لقد دفع أهالي شمال غزة ثمنًا باهظًا من أرواحهم ومنازلهم وذكرياتهم. ومن واجب المؤسسات الإعلامية والحقوقية والباحثين والناجين أن يعملوا معًا لحفظ رواياتهم، حتى لا تضيع تفاصيل هذه المرحلة في زحام الأحداث، وحتى تبقى معاناة المدنيين موثقة، لا مجرد ذكرى عابرة. شمال غزة ليس مجرد جغرافيا دمرتها الحرب؛ إنه حكاية شعب، وذاكرة عائلات، وشهادات إنسانية تستحق أن تُروى وتُحفظ للأجيال القادمة.
عاجل
عاجل
عاجل
عاجل