انتفاضة الضمير العالمي: فلسطين تتصدر المشهد وتتحدى الشرعية الغربية


هذا الخبر بعنوان "مقال: إسرائيل وأزمة الشرعية في الشارع الغربي - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الذكرى الثالثة لحرب الإبادة على غزة، تتكشف ملامح تحول عميق في الوعي السياسي الدولي. لم يعد التعاطف العابر مع الفلسطينيين كافياً لاحتواء الغضب الشعبي، بل أخذ يتبلور في صورة انتفاضة عالمية منظمة تتجاوز الشعارات التقليدية وتعيد صياغة العلاقة بين الشعوب وحكوماتها إزاء الاحتلال الإسرائيلي وسياساته. المشاهد القادمة من غزة لم تعد مجرد أخبار تتناقلها الشاشات، بل تحولت إلى سؤال أخلاقي وسياسي يلاحق المؤسسات الغربية ويضع خطابها المعلن عن حقوق الإنسان أمام اختبار غير مسبوق.
انطلقت هذه الانتفاضة من الجامعات الغربية إلى شوارع العواصم الكبرى، ومن الموانئ التي شهدت احتجاجات ضد شحن الأسلحة إلى إسرائيل، إلى ساحات الثقافة والسينما والرياضة. أسهمت فيها تحالفات مثل التحالف العالمي من أجل فلسطين، وحملة التضامن مع فلسطين، وائتلاف وقف الحرب، وحركة المقاطعة، بمشاركة شبكات ومنظمات ممتدة عبر عشرات الدول. شهدت لندن حشوداً ضخمة تزامنت مع مسيرات في برلين وروما وكيب تاون وسيدني، لتؤكد أن القضية الفلسطينية تجاوزت حدود الجغرافيا العربية وأصبحت حاضرة في النقاش العام داخل المجتمعات التي طالما احتكرت حكوماتها تعريف الشرعية ومصادر التهديد.
لا يمكن فصل هذا الحراك عن الكلفة الإنسانية الهائلة للحرب. فقد تجاوزت حصيلة الشهداء المعلنة في غزة أربعة وسبعين ألفاً، واقترب عدد الجرحى من مائة وخمسة وسبعين ألفاً، وفق الأرقام الواردة في بيانات وزارة الصحة بالقطاع. استمرار سقوط الضحايا رغم إعلان وقف إطلاق النار كشف هشاشة الترتيبات السياسية وعجزها عن توفير حماية فعلية للمدنيين. وبين الركام والنزوح وتدمير البنية الصحية والتعليمية في غزة، لم تعد المأساة مجرد ملف إغاثي، بل غدت شاهداً يومياً على الفجوة بين القانون الدولي وآليات تنفيذه.
برزت المقاطعة الثقافية كإحدى أدوات الضغط الأكثر تأثيراً، بعدما أعلن عاملون في السينما وكتاب وموسيقيون رفضهم التعاون مع مؤسسات إسرائيلية يرون أنها متورطة في تبرير الانتهاكات ضد المدنيين في غزة أو التغطية عليها. ظهرت مبادرات من بينها "لا موسيقى للإبادة"، وواجهت عروض وفعاليات فنية احتجاجات دفعت منظمي بعضها إلى مراجعة مشاركاتهم. هنا تكمن أهمية التحول، إذ لم تعد الثقافة مساحة محايدة تمنح الاحتلال فرصة تحسين صورته، بل أصبحت ساحة مساءلة رمزية للاحتلال الإسرائيلي تكشف حدود الدعاية الرسمية حين تصطدم بمواقف الفنانين والجمهور.
امتد الضغط إلى الجامعات والمؤسسات البحثية، حيث تصاعدت دعوات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل. سجلت حملات التضامن حالات عديدة لقطع التعاون مع مؤسسات إسرائيلية، وشهدت جامعات أوروبية، خصوصاً في بلجيكا وهولندا وإسبانيا، قرارات أو مراجعات لاتفاقيات التعاون والتبادل. برزت مطالب باستبعاد الجهات المتورطة من برامج بحثية ممولة أوروبياً. لا تقاس أهمية هذه الخطوات بعدد الاتفاقيات وحده، بل بما تحدثه من نقاش حول المسؤولية المؤسسية وحدود الفصل بين المعرفة والسياسات التي تدعم الاحتلال.
في موازاة ذلك، كشفت الاحتجاجات عن تحول في الأجيال الشابة التي باتت تقرأ فلسطين من زاوية العدالة والمساواة ورفض الاستعمار، لا من خلال الروايات الجاهزة. جعل انتشار الصور والشهادات محاولات حجب الوقائع أقل فاعلية، وفتح المجال أمام تحالفات بين الطلاب والنقابات والمنظمات الحقوقية. هذا يمنح الحراك قدرة على الاستمرار حتى حين تتراجع التغطية أو تتبدل أولويات الحكومات، فالقضية لم تعد موسماً للاحتجاج، بل امتحاناً للقيم المعلنة في الديمقراطيات المعاصرة.
اقتصادياً، اتخذت دول بينها إسبانيا وتركيا وبلجيكا وهولندا والنرويج وكندا إجراءات متفاوتة تتصل بالتجارة أو تصدير الأسلحة أو مراجعة التعاقدات، بالتوازي مع حملات شعبية تستهدف الشركات المرتبطة بالمستوطنات أو بالمجهود الحربي الإسرائيلي. تضاف هذه الضغوط إلى الأعباء الاقتصادية للحرب التي انعكست على الإنفاق العام والاستثمار وبعض القطاعات الإنتاجية. رغم استمرار قدرة قطاعات التكنولوجيا والدفاع على التكيف، فإن تراكم الكلفة السياسية والسمعة الدولية يطرح أسئلة جدية حول قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بعلاقات طبيعية بمعزل عن مصير الفلسطينيين.
الأهم أن القضية الفلسطينية عادت إلى صدارة المشهد الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها. لم يعد ممكناً الحديث عن استقرار الشرق الأوسط وكأن الاحتلال تفصيل يمكن تجاوزه. أعادت إجراءات المحاكم الدولية وموجات الاعتراف بالدولة الفلسطينية والانقسامات داخل المؤسسات الغربية فتح النقاش بشأن العدالة وحق تقرير المصير وحدود الحماية السياسية التي تتمتع بها إسرائيل. باتت الحكومات تواجه ضغطاً متزايداً من ناخبيها ونقاباتها وجامعاتها كي تتحول المبادئ المعلنة إلى مواقف عملية لا تكتفي ببيانات القلق والإدانة.
انتفاضة الضمير العالمي لا تعني أن الاحتلال فقد أدوات القوة أو أن موازين السياسة تبدلت دفعة واحدة، لكنها تكشف تآكل قدرته على احتكار الرواية وتحصين سياساته من النقد. تؤكد أن الشرعية لا تصنعها التحالفات العسكرية وحدها، بل تتطلب احترام الحقوق والقانون. من غزة، التي حاولت الحرب تحويلها إلى مساحة صمت، تتشكل اليوم لغة عالمية جديدة عنوانها أن فلسطين ليست قضية هامشية ولا ورقة تفاوض مؤجلة، وإنما معيار لمصداقية النظام الدولي كله. فلا سلام بلا عدالة، ولا استقرار بلا حرية، ولا حصانة دائمة لاحتلال يواجه اتساع الرفض الشعبي والمؤسسي عبر العالم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة