غزة تحت حصار الجوع: تقليص المساعدات يفاقم الأزمة الإنسانية وسياسات التجويع تتصاعد


هذا الخبر بعنوان "مقال: هندسة المجاعة في غزة - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، أعلن برنامج الأغذية العالمي عن اضطراره لتقليص مساعداته الغذائية بنسبة تقارب الثلث، وذلك بسبب نقص حاد في التمويل. هذا التقليص أدى إلى انخفاض عدد المستفيدين من مليون وستمائة ألف شخص إلى مليون ومائة ألف فقط، مع خفض الحصص الغذائية إلى النصف وتقليص عدد الوجبات الساخنة اليومية من مائتين وخمسين ألفا إلى مائة وخمسين ألفا. كما تم تقليص المساعدات النقدية المقدمة لآلاف الأسر، في وقت يقترب فيه فصل الشتاء وتظل الأوضاع الغذائية هشة للغاية.
ويحتاج البرنامج حاليًا إلى 450 مليون دولار للحفاظ على عملياته الحيوية في غزة والضفة الغربية خلال الأشهر الستة المقبلة، بعد أن تلقى أقل من نصف التمويل المعتاد في عام 2026. هذا التقليص لا يُعد حدثًا عابرًا، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من السياسات الممنهجة التي يمكن وصفها بـ "هندسة المجاعة"، والتي تمارسها القوة القائمة بالاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات طويلة تحت غطاء الاعتبارات الأمنية.
تتعزز هذه السياسات بتقليص عمل الوكالات الدولية، وعلى رأسها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وبندرة الشاحنات الغذائية التي يُسمح بدخولها إلى القطاع. وتشير التقارير الدولية الأخيرة إلى أن نحو مليون وأربعمائة ألف شخص، أي حوالي 67% من سكان غزة، يواجهون مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد أو أسوأ، بما في ذلك 200 ألف شخص في مرحلة الطوارئ التي تتطلب تدخلاً فورياً لمنع الوفيات الناجمة عن الجوع.
ورغم وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر 2025، فإن المكاسب الهشة في الأمن الغذائي مهددة بالانهيار مع استمرار القيود على المعابر وانخفاض عدد الشاحنات الداخلة إلى مستويات بعيدة عن الحد الأدنى المطلوب بموجب الاتفاقات الدولية، والذي يقدر بـ 600 شاحنة يومياً. وتتحدث مصادر ميدانية عن أرقام أقل بكثير في كثير من الأيام، مع توقف دخول البضائع التجارية في فترات متكررة، مما يحرم الأسواق المحلية من السلع الأساسية ويزيد الاعتماد على المساعدات الإنسانية المحدودة.
أما التضييق على عمل الأونروا والمنظمات الدولية فيأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك البنية التحتية للإغاثة الدولية. فقد فرضت السلطات الإسرائيلية منذ أواخر عام 2024 قوانين تمنع الوكالة من العمل داخل الأراضي الخاضعة لسيطرتها، بما فيها القدس الشرقية، وتمنع الاتصال الرسمي معها، وتحجب التأشيرات عن موظفيها الدوليين منذ مطلع عام 2025، مما أعاق دخول المساعدات والعاملين بشكل مباشر إلى القطاع.
وتستمر القيود على حركة المنظمات الأخرى تحت ذريعة الاستخدام المزدوج للمواد أو الاعتبارات الأمنية، في انتهاك واضح لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزمها بضمان تزويد السكان المدنيين بالمؤن الغذائية والطبية وعدم استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب.
إن استخدام الحصار والتحكم في المعابر وتقنين دخول الغذاء والدواء والوقود ليس مجرد إجراء أمني، بل يشكل عقاباً جماعياً محظوراً بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، ويرتقي في سياقه الممنهج إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. يتحول الغذاء هنا إلى سلاح سياسي يهدف إلى كسر إرادة السكان وإضعاف صمودهم وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والاجتماعي في القطاع تحت ضغط الجوع والمرض والنزوح المتكرر.
ويأتي نقص التمويل الدولي لبرنامج الأغذية العالمي في سياق أوسع من تراجع المساعدات الإنسانية العالمية، مدفوعاً بسياسات بعض الدول الكبرى التي قلصت مساهماتها في المنظمات الأممية. هذا يضع المجتمع الدولي في موقف المتواطئ بالصمت أو التقصير أمام هذه الهندسة الممنهجة. فبدلاً من الضغط لإلزام القوة المحتلة بفتح المعابر بشكل كامل ومستدام ورفع القيود عن الوكالات الدولية، يلجأ المانحون إلى تقليص الدعم، تاركين المدنيين يواجهون شبح المجاعة من جديد، بعد أن أعلنت تصنيفات الأمن الغذائي الدولية حالة المجاعة في أجزاء من القطاع خلال صيف 2025.
هذه السياسة لا تقتصر على الجانب الإنساني، بل تمتد إلى الأبعاد السياسية والقانونية، فهي تهدف إلى إضعاف المؤسسات الفلسطينية والدولية التي توفر الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، مما يمهد لفرض ترتيبات جديدة تتجاوز حقوق اللاجئين وحق العودة المنصوص عليه في القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتتجاهل مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين في الأراضي المحتلة.
إن ما يجري في غزة اليوم ليس نتيجة كارثة طبيعية أو نقص موارد عالمية، بل هو نتاج قرارات سياسية مدروسة تحول المعابر إلى أدوات خنق، وتجعل من المساعدات الإنسانية ورقة مساومة، وتقيد عمل المنظمات الدولية تحت ستار الإصلاحات أو الحياد. وفي مواجهة هذا الواقع، يبقى السؤال معلقاً حول مدى التزام الدول المانحة والهيئات الأممية بواجباتها القانونية والإنسانية، أم أن هندسة المجاعة ستستمر كأداة ضغط سياسي في صراع يتجاوز حدود القطاع ليطال جوهر القضية الفلسطينية برمتها.
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
سياسة