فلسطين
اقتصاد

المقاطعة في 2026: من استهلاك الأفراد إلى ضغط المؤسسات وتغيير الاستثمارات

الرسالة٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٤ ص0 مشاهدة
المقاطعة في 2026: من استهلاك الأفراد إلى ضغط المؤسسات وتغيير الاستثمارات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مقال: تراجعت المقاطعة ولم يتراجع أثرها - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تعد المقاطعة تظهر بنفس الزخم في الحياة اليومية ومنشورات الناس كما في الأشهر الأولى للحرب على غزة. خفتت قوائم المنتجات والحملات التي كانت تتصدر وسائل التواصل الاجتماعي، وانشغل الكثيرون بتكاليف معيشتهم. لكن ما يبدو تراجعًا في الشارع الاستهلاكي قد يخفي تحولًا أعمق: انتقال المقاطعة تدريجيًا من قرارات فردية للمستهلكين إلى ضغوط مؤسسية تقودها نقابات وجامعات ومؤسسات ثقافية وجهات استثمارية. هذه الفكرة تستحق التأمل في عام 2026، حيث لم تعد المقاطعة تقتصر على سؤال "ماذا نشتري وماذا نترك؟"، بل امتدت لتشمل أسئلة أكثر تأثيرًا مثل: أين تستثمر المؤسسات أموالها؟ مع أي شركات تتعاقد؟ وما العلاقات التجارية والثقافية والأكاديمية التي يجب مراجعتها؟

لا يعني هذا انتهاء المقاطعة الشعبية أو تبني جميع المؤسسات لها، بل إن بعض حملاتها انتقلت إلى مستوى آخر من التنظيم والتأثير. وفيما يلي أبرز ملامح هذا التحول في عام 2026، استنادًا إلى وقائع وتقارير منشورة، مع التمييز بين القرارات المعلنة والنتائج التي تحتاج إلى قياس مستقل.

أبرز أشكال المقاطعة والضغط المؤسسي في 2026:

  • المقاطعة النقابية وسحب الاستثمارات: في 18 يونيو، صوّت مندوبو اتحاد عمال السيارات الأمريكي (UAW) على تعديل نظام الاتحاد لمنع استثمار أمواله في السندات الإسرائيلية، والتي بلغت قيمتها نحو 400 ألف دولار. وفي كندا، صوّت المؤتمر العمالي الكندي، الذي يمثل 3.3 ملايين عامل، على قطع العلاقات مع اتحاد الهستدروت الإسرائيلي. تكشف هاتان الخطوتان انتقال المقاطعة من قرار المستهلك إلى إدارة أموال المؤسسات وعلاقاتها.
  • مقاطعة الشركات عبر المؤسسات المهنية: في أكتوبر، أنهت الكلية الملكية للتمريض في بريطانيا (RCN)، التي تمثل أكثر من 500 ألف ممرض وممرضة، علاقتها التجارية مع شركة الأدوية «تيفا» (Teva)، بعد أن كانت الشركة راعية لفعالية مهنية. جاء القرار عقب حملة ضغط قادتها مجموعات من العاملين في القطاع الصحي والمتضامنين مع فلسطين. وأعلنت المؤسسة أيضًا مراجعة سياساتها الخاصة بالشراكات التجارية، مما يوضح كيف يمكن لحملة شعبية أن تنتقل إلى داخل مؤسسة مهنية وتتحول إلى قرار رسمي.
  • سحب الاستثمارات الحكومية: أورد تقرير حركة BDS في يوليو أن ولاية واشنطن الأمريكية باعت سندات لشركة كاتربيلر بقيمة تتجاوز 53 مليون دولار، في خطوة وصفتها الحركة بأنها سحب لاستثمارات من شركات متواطئة في انتهاكات بحق الفلسطينيين. كما أشار التقرير إلى تحركات في بلديات أمريكية وأوروبية لاعتماد سياسات استثمار ومشتريات أخلاقية، مما يضع الاستثمار العام والتعاقدات المؤسسية في قلب معركة الضغط الاقتصادي.
  • الضغط على سلاسل التوريد والنقل البحري: وفق تقرير حركة BDS عن النصف الأول من 2026، أوقفت السلطات الإيطالية 27 حاوية من الصلب ذي الاستخدام العسكري كانت متجهة إلى إسرائيل، وأُخضعت للتحقيق في ميناءين إيطاليين. وقالت الحركة إن التحرك جاء نتيجة أبحاث وضغوط من مجموعات مدنية وحلفائها، مما يمثل انتقال المقاطعة من الامتناع عن شراء منتج إلى محاولة تعطيل مسار توريد مواد يمكن أن تدخل في الصناعات العسكرية.
  • المقاطعة الثقافية والأكاديمية: أشار تقرير الحركة إلى دعوات ومواقف لمقاطعة مؤسسات ثقافية وأكاديمية إسرائيلية، وضغوط على مهرجانات وشركات راعية. ومن الأمثلة تصويت جمعية علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية لصالح دعم المقاطعة الأكاديمية والثقافية بنسبة 78%. هنا لا يتعلق الأمر بشراء سلعة، بل بمراجعة علاقات التعاون والرعاية والمشاركة في الفعاليات والمؤسسات.
  • مقاطعة السياحة والمنصات التجارية: أعلنت حركة BDS إطلاق أدوات لحملات السياحة الأخلاقية، وقالت إن أكثر من 2,900 سائح تعهدوا بمقاطعة منصتي «إير بي إن بي» و«بوكينغ.كوم». يوضح هذا اتساع مفهوم المقاطعة ليشمل خيارات السفر والحجز، إلى جانب الاستهلاك التقليدي.

تستند هذه الأمثلة إلى تقرير حركة BDS المنشور في 9 يوليو 2026، وتقارير مستقلة عن قرار اتحاد التمريض البريطاني. ويجب التعامل مع الأرقام التي تعلنها الحركة باعتبارها بيانات صادرة عن جهة مشاركة في الحملات، لا قياسًا مستقلًا لجميع آثارها الاقتصادية.

من الشارع إلى المؤسسة: هل بدأت مرحلة جديدة؟

تمنح هذه الوقائع أساسًا للقول إن المقاطعة تمر بتحول في بعض مساراتها. ففي المرحلة الأولى، برز المستهلك الفرد بوصفه صاحب القرار المباشر. أما اليوم، فتظهر إلى جانب هذا المسار حملات تسعى إلى تغيير سياسات الاستثمار والتعاقد والرعاية والتعاون الأكاديمي والثقافي. والفارق مهم؛ لأن قرار الفرد قد يظل محدود الأثر إذا بقي معزولًا، بينما تستطيع النقابة التأثير في استثماراتها، والجامعة مراجعة شراكاتها، والمؤسسة المهنية إنهاء رعاية تجارية، والجهة العامة تغيير قواعد مشترياتها. وحين تتضافر هذه الإجراءات، يمكن أن يتحول التضامن من تعبير أخلاقي فردي إلى ضغط منظم يستهدف المال والعلاقات المؤسسية وسلاسل التوريد.

لكن هذا التحول لا يعني أن المقاطعة حققت انتصارًا اقتصاديًا شاملًا. فلا تكفي القرارات المعلنة لإثبات حجم الخسائر التي تكبدتها الشركات، ولا يمكن نسبة كل انسحاب تجاري أو تغير في السياسات إلى المقاطعة وحدها. كما أن تراجع الحضور على مواقع التواصل لا يثبت بالضرورة تراجع مشاركة المستهلكين؛ إذ يحتاج ذلك إلى استطلاعات وبيانات مقارنة. ومع ذلك، فإن ما حدث في 2026 يطرح سؤالًا يتجاوز عدد المنتجات التي يتجنبها الناس: هل يستطيع الضغط الشعبي أن يستمر حين يقل الاهتمام الإعلامي، وأن يجد طريقه إلى المؤسسات التي تملك المال والقرار؟

لقد بدأت المقاطعة من شعور إنساني بالعجز أمام ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة، ومن رغبة في ألا تصبح مشاهدة الموت عادة يومية بلا موقف. واليوم، يكمن التحدي في الحفاظ على هذا المعنى، مع تطوير أدوات الضغط وقياس نتائجها بوضوح. فالفلسطيني الذي فقد بيته لا تكفيه الرمزية، بل يحتاج إلى حماية وحقوق ومحاسبة فعلية. والمقاطعة ليست بديلًا عن الضغط السياسي والقانوني، لكنها قد تكون أحد مساراته حين تتحول من حملة عابرة إلى التزام منظم ومستمر.

ربما تراجع حضور المقاطعة في بعض تفاصيل الحياة اليومية، لكن تطورات 2026 تشير إلى أن بعض حملاتها انتقلت إلى ساحات مؤسسية جديدة. والسؤال لم يعد فقط كم شخصًا امتنع عن شراء منتج، بل كم مؤسسة غيّرت استثماراتها أو عقودها أو شراكاتها، وما النتائج الفعلية لذلك. عند هذه النقطة يمكن أن نميز بين مقاطعة تخفت بانحسار الاهتمام، ومقاطعة تتطور أدواتها لتبقي الضغط قائمًا.

شارك الخبر: