فلسطين
سياسة

من إدارة الصراع إلى الحسم النهائي: قراءة في التحول الأيديولوجي للصهيونية مع موشيه فيجلين

شبكة قدس٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٦ ص0 مشاهدة
من إدارة الصراع إلى الحسم النهائي: قراءة في التحول الأيديولوجي للصهيونية مع موشيه فيجلين

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من "ادارة الصّراع" الى "الحسم النهائي": قراءة في الظاهرة الفيجلينية والطور الأخير للصهيونيّة" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يمكن فهم ظاهرة موشيه فيجلين بالاعتماد على أدوات التحليل الانتخابي البسيطة أو اختزاله في شخصية سياسية هامشية فشلت مرارًا في تحقيق تمثيل دائم في الكنيست. يمثل فيجلين تحولاً بنيوياً في الفكر الصهيوني، من البراغماتية الدبلوماسية إلى "الصهيونية الإحلالية المكتملة". يرفض فيجلين ازدواجية "الدولة اليهودية والديمقراطية" ويسعى لإقامة "مملكة إسرائيل التوراتية" بهوية دينية مطلقة. يدمج فكره بين الثيوقراطية اليهودية المتطرفة والليبرتارية الاقتصادية لتبرير تحرير المستوطن المسلح من قيود الدولة والقانون. يعتبر القدس والمسجد الأقصى مركز المشروع، ويرى أن تفكيك الوضع القائم وبناء الهيكل الثالث شرط وجودي لاكتمال النصر القومي. يحوّل فيجلين الصراع من نزاع سياسي إلى حرب مقدسة تُجرّد الفلسطيني من بعده الوطني وتطرح خيارات الإخضاع أو التهجير أو الإبادة.

إن المقاربة النقدية الجادة تتطلب التعامل مع فيجلين كعرض مكثف لتحول بنيوي عميق يضرب صلب الفكر الصهيوني. إنه يجسد لحظة الانتقال الحتمية من "الصهيونية البراغماتية الدبلوماسية" التي قادها جيل التأسيس ومن تلاهم من نخب العمل والليكود، إلى "الصهيونية الإحلالية المكتملة" التي تتخلى طوعًا عن أقنعتها التوفيقية. لقد استندت إسرائيل لعقود على ركيزة ترويجية مفادها التوفيق المستحيل بين "الدولة اليهودية" و"الدولة الديمقراطية"، وهي ازدواجية وظيفية استخدمتها تل أبيب لمخاطبة الغرب وحماية مشروعها الاستيطاني تحت مظلة القانون الدولي وقيم الحداثة الليبرالية. غير أن المشروع الفيجليني أدرك مبكرًا العقم الوظيفي لهذه الثنائية من وجهة النظر الاستعمارية الصرفة. فبالنسبة له، تشكل المنظومة القضائية، وبيروقراطية الدولة، والتوازنات الدبلوماسية، قيودًا تعيق اكتمال السيادة التوراتية. ومن هنا، انطلقت أطروحته لتعلن موت "إسرائيل الغربية" لصالح بعث "مملكة إسرائيل التوراتية"، حيث تصبح الهوية والمطلق الديني هما المرجعية الوحيدة، وتغدو مؤسسات الدولة أدوات خادمة لفعل الاستيطان بدلًا من أن تكون سلطة منظمة له.

تكمن الخطورة التحليلية الأكثر تركيبًا في فكر فيجلين في ذلك التحالف الهجين والفريد الذي نسجه بين الثيوقراطية اليهودية المتطرفة والليبرتارية الاقتصادية المستعارة من مدرسة شيكاغو واليمين الأمريكي المتطرف. لم يكن تبني فيجلين لاقتصاد السوق الحر، والدعوة إلى تفكيك القطاع العام، وخصخصة التعليم، وإلغاء القيود على الأسلحة وحيازة الأراضي، وتشريع الماريجوانا، مجرد نزوة شعبوية لاصطياد أصوات الشباب والعلمانيين في مدن الساحل كيافا وتل أبيب، بل كان ذلك تدشينًا لفلسفة استعمارية جديدة تعيد استنساخ أسطورة "رجل التخوم" الأمريكي. في هذه الفلسفة، يُنظر إلى كوابح الدولة المركزية وجيشها البيروقراطي على أنها عوائق تكبل المبادرة الفردية للمستوطن. وبناءً عليه، فإن تحرير السوق وتفكيك مؤسسات الدولة يعني عمليًا تحرير طاقة المستوطن المسلح ليتحول إلى فاعل استعماري مطلق لا تقيده قوانين دولية ولا محاكم عليا، مستوطن يستولي على التلال، ويقيم البؤر الرعوية، ويصفّي الوجود الفلسطيني بالقوة المباشرة، معتبرًا هذا الاقتلاع تجسيدًا لحريته الفردية وازدهاره الاقتصادي الخاص. هذا المزيج نجح في نزع صفة "التزمت الديني" التقليدية عن المشروع الاستيطاني، وحوّله إلى أسلوب حياة تمردي جذاب يخاطب قطاعات من الجيل الجديد تبحث عن التحرر الفردي وكسر احتكارات الدولة، دون أن تدرك أنها تمارس أبشع أشكال الفاشية الاستعمارية بعد إعادة تدويرها وتسويقها كحرية شخصية.

في قلب هذا البناء الفكري المتشابك، تقف القدس والمسجد الأقصى بوصفهما المركز الجيوسياسي والروحي الذي يُعرّف نجاح أو فشل المشروع الصهيوني بأكمله. لا يتعامل فيجلين مع القدس باعتبارها ملفًا تفاوضيًا معقدًا، ولا حتى كعاصمة إدارية تحتاج إلى حلول براغماتية للتقاسم أو إدارة السكان، بل يعتبر أن أزمة المشروع الصهيوني الأخلاقية والنفسية بدأت في اللحظة التي تراجع فيها موشيه ديان عام 1967 عن فرض السيادة الدينية الكاملة على الأقصى وأبقى على إدارة الأوقاف الإسلامية. في المخيال الفيجليني، تظل السيادة منقوصة ومزيفة ما دام هذا "الفراغ الروحي" قائمًا. وبالتالي، فإن مشروعه يضع تفكيك الوضع القائم في المسجد الأقصى، وإنهاء الوصاية الأردنية، وبناء الهيكل الثالث على أنقاضه، كشرط وجودي لاكتمال النصر القومي. وبذلك ينقل فيجلين الصراع من كونه نزاعًا سياسيًا حول رقعة جغرافية إلى حرب مقدسة محتومة، تُجرّد الطرف الفلسطيني من أي بعد تاريخي أو وطني، وتحيله إلى طارئ ديموغرافي على أرض "الميعاد"، يتوجب التعامل معه إما بالإخضاع الكامل عبر نظام فصل عنصري مقنن يحرم من يرضى بالبقاء من أي حق للمواطنة، أو بالتهجير المالي الصامت عبر إغراءات الشراء والدفع خارج الحدود، أو بالإبادة العسكرية المباشرة لكل من يبدي مقاومة أو تشبثًا بالهوية الوطنية.

إن الفاعلية السياسية لفيجلين لا تقاس بقدرته على تشكيل حكومة، بل بدوره التاريخي كـ "كاسحة ألغام أيديولوجية" أزاحت ما يُعرف في علم الاجتماع السياسي بـ "نافذة أوفرتون"، أي نطاق الأفكار المقبولة في النقاش العام. ما كان يُطرح في مطلع الألفية داخل أروقة الليكود عبر حركة "مانهيغوت يهوديت" (القيادة اليهودية) بزعامته، ويُقابل آنذاك بالسخرية أو الاستهجان باعتباره تطرفًا فاشيًا شاذًا يهدد صورة إسرائيل الدولية، صار اليوم هو النص التأسيسي والبرنامج التنفيذي الذي تحكم به المؤسسة الرسمية الإسرائيلية. إن ما يطبقه سموتريتش وبن غفير اليوم في الضفة الغربية والقدس من ضم فعلي صامت، وتفكيك الإدارة المدنية، وتسليح عشرات الآلاف من المستوطنين ليتحولوا إلى ميليشيات رسمية، وتشديد الخناق على حياة الفلسطينيين لدفعهم إلى الهجرة ليس إلا "الفيجلينية" وقد نزلت من فضاء التنظير الطوباوي إلى واقع التنفيذ الإداري والقانوني بمباركة الدولة وأجهزتها. لقد نجح فيجلين وتياره في حسم المعركة الفكرية داخل إسرائيل، وإسقاط خيار "إدارة الصراع" إلى غير رجعة، واستبدالها بعقيدة "الحسم النهائي" التي لا ترى في الوجود الفلسطيني شريكًا للتفاوض أو حتى موضوعًا للتسوية الوظيفية، بل عقبة يجب استئصالها.

يتجلى هذا المسار التراكمي في ذروته السياسية والعملياتية خلال انتخابات الكنيست (2026)، حيث لم تعد الظاهرة الفيجلينية مجرد تيار فكري يمارس الإزاحة من الهامش، بل تحولت إلى فاعل مؤسسي مباشر بعد إبرام التحالف الانتخابي في قائمة مشتركة تجمع حزبي "الصهيونية الدينية" بزعامة بتسلئيل سموتريتش و"زيهوت" بزعامة موشيه فيجلين. إن هذا التحالف ليس مجرد مناورة تكتيكية تمليها حسابات اجتياز نسبة الحسم أو ترميم تصدعات معسكر اليمين، بل هو في جوهره الاندماج الأيديولوجي الأوضح بين قطبي المشروع الإحلالي المستحدث: "العقل التنفيذي والبيروقراطي لسموتريتش" الذي راكم أدوات الهيمنة الإدارية وتفكيك الإدارة المدنية داخل وزارتي المالية والجيش، و"الراديكالية الليبرتارية-المسيحانية لفيجلين" القادرة على اختراق شرائح شبابية وعلمانية خارج النطاق التقليدي لـ"الكيباه المنسوجة". إن مساهمة فيجلين في المشهد الراهن تمنح برنامج "الحسم" غطاءً حداثيًا وتمرديًا يرفع الحرج عن فكرة التهجير القسري ونفي الوجود الفلسطيني، لتصبح معركة 2026 بمثابة الاستفتاء النهائي على شرعنة إبادة الكيانية الفلسطينية، والانتقال من مرحلة ترسيخ الأبارتهايد كواقع أمر واقع إلى مأسسته كعقيدة حكم علنية تديرها الدولة بكل ثقلها المؤسسي والميليشياوي.

هنا تحديدًا تصبح القراءة الفلسطينية المقابلة ملحمة من التحدي الوجودي، ومساءلة جذرية تكشف حجم الانكشاف الاستراتيجي الذي تعيشه الحركة الوطنية. إن التهديد الذي يمثله هذا النمط من التفكير الاستعماري لا يكمن فقط في عدوانيته، بل في كونه يواجه فراغًا بنيويًا وتكلّسًا سياسيًا في الجبهة الفلسطينية. لقد استمرت المنظومة الرسمية والفصائلية والحزبية عقود في التعامل مع المشروع الصهيوني وفق قوالب بالية، متوهّمة إمكانية الوصول إلى تسوية مع يمين "عقلاني" أو مراهنة على ضغوط مجتمع دولي يثبت كل يوم عجزه وتواطؤه. والأسوأ من ذلك هو الغرق الفلسطيني في مستنقع "معارك التمثيل"، حيث استُنزفت الطاقات الحية للشعب الفلسطيني في التنافس على شرعيات تمثيلية مفرغة من محتواها النضالي. إن الخطاب الفيجليني في جوهره الأكثر قسوة يوجه صفعة لاذعة لكل هذه البنى، فهو يعلن صراحة أنه لا توجد سلطة لتمثيل، ولا يوجد شعب ليُمنح حق تقرير المصير، وأن كل ما هو موجود مجرد فائض بشري مؤقت ينتظر لحظة الحسم. وفي مواجهة هذا الإلغاء المطلق، يصبح الاستمرار في إدارة الصراع الداخلي كصراع على "حصص التمثيل" أو "إدارة أزمات الانقسام" شكلاً من أشكال الانتحار السياسي والتواطؤ غير المباشر. إن الرد الوطني لا يمكن أن يكون بترميم مؤسسات الحكم الذاتي، بل باستعادة مفهوم "السياسة" في أصله الثوري والتحرري، أي نقل المعركة من أروقة الدبلوماسية التوفيقية والبيروقراطية الفصائلية إلى ميدان الاشتباك الوجودي الشامل. هذا يقتضي إسقاط التجزئة الاستعمارية التي قسمت الشعب الفلسطيني بين ضفة وغزة وقدس وأراضي 48 وشتات، والعودة إلى تعريف القضية كحركة تحرر وطني تواجه نظام استعمار استيطاني إحلالي وأبارتهايد متكامل. إن السياسة الحقيقية في مواجهة هذا المشروع تعني إعادة توجيه الموارد الوطنية بالكامل نحو عقيدة واحدة: "تثبيت الصمود المادي للبشر فوق أرضهم"، وربط هذا الصمود بمقاومة شعبية وسياسية متعددة الأدوات تجعل من كلفة الاستيطان والحسم الفيجليني عبئًا لا يمكن للمنظومة الاستعمارية تحمله. إن فيجلين ومن تبنوا نهجه لم يتركوا مساحة لأي رمادية. لقد وضعوا الصراع في نقطة الصفر: إما السيادة الاستعمارية المطلقة ونفي الفلسطيني، أو تحرر الفلسطيني وزوال البنية الإحلالية. وأمام هذا الأفق الحاسم، لم يعد لدى الفصائل والتنظيمات ترف الوقت للاختباء خلف شعارات التمثيل، فالتاريخ لن يحاكم أحدًا على عدد مقاعده أو نسب حصصه، بل سيحاكم الجميع على سؤال واحد لا مفر منه: هل ارتقى الفعل الوطني إلى مستوى معركة البقاء، أم تُركت الأرض لتُبتلع بينما كان الساسة يقتسمون كراسي تحت نير الاحتلال؟

شارك الخبر: