فلسطين
سياسة

الخليل تحت الحصار: أطفال ومرضى في العراء وعائلات تنتظر العودة إلى بيوتها

الرسالة٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٥٢ م0 مشاهدة
الخليل تحت الحصار: أطفال ومرضى في العراء وعائلات تنتظر العودة إلى بيوتها

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الخليل.. أطفال ومرضى في العراء وعائلات تنتظر العودة إلى بيوتٍ أُجبرت على تركها - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في واقع مأساوي يعيشه أهالي الخليل، اضطرت عائلات إلى مغادرة منازلها على عجل، تحت وطأة التهديدات وأوامر الإخلاء، تاركة خلفها كل شيء: غرفًا لم تُغلق أبوابها، وأدوية يحتاجها مرضاها، وألعاب أطفال لم يعرفوا متى سيعودون إليها. في الشوارع، وجدت نساء وأطفال وكبار سن أنفسهم أمام مصير مجهول، لا يعرفون أين سيمضون ليلتهم، ولا متى ستُفتح لهم أبواب العودة إلى بيوتهم.

في مناطق دير بحة والجلدة وفرش الهوى، لم يعد القلق مقتصرًا على أصوات الجرافات التي تهدم المنازل والمنشآت، بل امتد إلى الخوف من فقدان المأوى ومصادر الرزق، مع استمرار الحصار وانتشار القوات الإسرائيلية وتحويل مبانٍ سكنية إلى مواقع عسكرية. وبينما تحاول العائلات تدبير احتياجاتها في أماكن النزوح، تكشف الأرقام عن اتساع المأساة؛ فقد تضررت 379 أسرة تضم 2456 شخصًا، بينهم أطفال رُضّع وكبار سن ومرضى وأشخاص ذوو إعاقة.

عائلات تُقتلع من منازلها

تكشف أحدث إحصائية لبلدية الخليل عن تضرر 379 أسرة تضم 2456 فردًا، بينهم 171 طفلًا رضيعًا، و204 من كبار السن، و27 شخصًا من ذوي الإعاقة، و159 من أصحاب الأمراض المزمنة. ووفق الإحصائية، لم يسجل سوى 154 شخصًا وجودهم في أماكن آمنة، ما يسلط الضوء على حجم الاحتياجات الإنسانية التي تواجه الأسر المتضررة.

وقال رئيس بلدية الخليل، المهندس يوسف الجعبري، إن قوات الاحتلال حاصرت المدينة وعددًا من القرى المجاورة، وأجبرت السكان على إخلاء منازلهم عبر مكبرات الصوت، ما دفع نساء وأطفالًا وكبار سن إلى الخروج إلى الشوارع دون مأوى، في ظل غياب اليقين بشأن موعد انتهاء العملية العسكرية وإمكانية العودة إلى منازلهم. ولا تتوقف معاناة هذه العائلات عند فقدان المأوى، إذ يواجه المرضى وكبار السن صعوبات إضافية في تأمين أدويتهم واحتياجاتهم الصحية، فيما يجد الأطفال أنفسهم بعيدًا عن بيوتهم وفي بيئة تفتقر إلى الاستقرار والأمان.

وأكد الجعبري أن البلدية أعلنت حالة الطوارئ وفتحت مراكز إيواء لاستقبال العائلات المتضررة، بينها مركز إسعاد الطفولة والمركز الكوري الفلسطيني، بالتعاون مع المؤسسات الشريكة ومؤسسات المجتمع المحلي.

هدم وتجريف واستيلاء على المنازل

وبالتوازي مع التهجير، تتواصل عمليات الهدم والتجريف في مناطق مختلفة من الخليل، لتطال منازل ومنشآت تجارية وممتلكات يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية. وقال الصحفي من مدينة الخليل عامر أبو عرفة "للرسالة" إن عمليات الهدم تركزت في منطقة فرش الهوى، حيث جُرّفت مساحة تُقدّر بنحو 14 دونمًا، ودُمّرت أكثر من سبع منشآت ومنزل كبير تبلغ مساحته نحو 600 متر مربع.

وأضاف أن قوات الاحتلال تواصل عمليات التفتيش والمداهمة في مناطق متعددة من المدينة، بالتزامن مع إغلاق مداخل المحافظة وتقييد حركة السكان، مشيرًا إلى أن محاولات المواطنين الوصول إلى منازلهم باتت محفوفة بمخاطر الاعتداء والضرب. واستشهد أبو عرفة بحالة مختار عائلة شاور، وهو مسن تعرّض للاعتداء أثناء محاولته الوصول إلى منزله في منطقة عين دير بحة للحصول على أدويته، بعدما أُجبر على مغادرته. وأشار إلى أن مقاطع مصورة وثّقت الاعتداء عليه، فيما نُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج.

وفي تطور يزيد مخاوف السكان بشأن مستقبل عودتهم، أوضح أبو عرفة أن قوات الاحتلال استولت على مبانٍ ومنازل في مناطق مختلفة من المدينة وحولتها إلى مواقع عسكرية. وأشار إلى الاستيلاء على عمارة في شمال الخليل وتحويلها إلى نقطة عسكرية، إلى جانب الاستيلاء على منزل لعائلة النتشة في ضاحية الزيتون جنوب المدينة، واعتقال صاحبه وتحويل المنزل إلى ثكنة عسكرية، مع وجود آليات داخله. وأضاف أن منازل وفللًا أخرى حُوّلت إلى مراكز للتحقيق والاستجواب ومواقع لقيادة الجنود، لافتًا إلى مشاهدة آليات تنقل المياه والمواد الغذائية إلى بعض المواقع، بما يشير إلى الاستعداد للبقاء فيها مدة طويلة.

وحذّر أبو عرفة من أن خطورة هذه التطورات لا تقتصر على السيطرة المؤقتة على المباني، بل تمتد إلى مخاوف من تثبيت الوجود العسكري في الأحياء السكنية، بما قد يعرقل عودة السكان إلى منازلهم حتى بعد انتهاء العمليات. ولفت إلى أن هيئة البث الإسرائيلية نقلت عن مصادر أمنية أن الحملة في الخليل ستستمر إلى ما بعد الانتخابات، ما يعزز مخاوف العائلات من استمرار النزوح وتفاقم معاناتها.

حصار يشل الاقتصاد ويهدد مصادر الرزق

ولا تنحصر آثار العملية العسكرية في العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها، بل تمتد إلى آلاف الأسر التي تعتمد على العمل اليومي والمصانع والتجارة لتأمين احتياجاتها الأساسية. وقال أبو عرفة إن الحصار المفروض على الخليل يقيّد دخول المواد الغذائية والتموينية وخروجها، فيما تعذر على أعداد كبيرة من العمال الوصول إلى أماكن عملهم، وتوقفت حركة نقل البضائع في مناطق عدة، الأمر الذي أدى إلى إغلاق مصانع ومنشآت اقتصادية.

وأضاف أن نحو 40% من المصانع أُغلقت، بسبب صعوبة وصول العمال وتعطل نقل البضائع، إلى جانب تضرر منشآت أخرى أو وقوعها بالقرب من مناطق العمليات العسكرية. من جهته، حذر رئيس البلدية من التداعيات الاقتصادية للحصار، موضحًا أن الخليل تمثل نحو 40% من الاقتصاد الوطني الفلسطيني، وأن عشرات، بل مئات المصانع، توقفت عن العمل نتيجة القيود المفروضة على الحركة وصعوبة وصول العمال وتعطل حركة البضائع.

ومع توقف المصانع وتعطل الأنشطة التجارية، تتزايد المخاوف من فقدان العمال مصادر دخلهم، في وقت تحتاج فيه العائلات المهجّرة إلى أموال لتأمين الغذاء والمياه والأدوية ومستلزمات الإقامة بعيدًا عن منازلها. وأشار الجعبري إلى أن الأضرار طالت أيضًا البنية التحتية، بما في ذلك الشوارع وشبكات المياه والصرف الصحي، فضلًا عن الاستيلاء على معدات تابعة للبلدية ومصادرة جزء منها، فيما بدت شوارع المدينة شبه خالية مع انتشار الآليات العسكرية. ووصف الجعبري ما يجري بأنه جعل الخليل مدينة منكوبة، في ظل تداخل الأضرار الإنسانية والاقتصادية والخدمية، وصعوبة وصول السكان إلى احتياجاتهم اليومية.

اعتقالات واعتداءات ومخاوف من إطالة أمد النزوح

وبالتزامن مع الهدم والتهجير، تتواصل عمليات الاعتقال في مناطق مختلفة من الخليل. وقال أبو عرفة إن عدد حالات الاعتقال التي وثّقها تجاوز 49 حالة، أُفرج عن بعض أصحابها، فيما بقي آخرون رهن الاعتقال. وأضاف أن عددًا من المفرج عنهم أفادوا بتعرضهم للضرب والإهانة والسخرية واستخدام ألفاظ نابية بحقهم خلال الاحتجاز، مشيرًا إلى أنه شاهد آثار كدمات على أجساد بعضهم بعد الإفراج عنهم.

وفي ظل استمرار إغلاق المدينة وانتشار القوات في الأحياء السكنية، تتضاعف المخاوف من أن تطول معاناة العائلات التي اضطرت إلى النزوح، ولا سيما الأسر التي تضم أطفالًا رُضّعًا وكبار سن ومرضى بأمراض مزمنة، وتحتاج إلى رعاية تتجاوز توفير مكان مؤقت للإقامة. وبينما تحاول البلدية والمؤسسات المحلية توفير مراكز للإيواء، تبقى العودة إلى المنازل المطلب الأكثر إلحاحًا لدى العائلات التي وجدت نفسها خارج بيوتها دون موعد واضح للرجوع. فبالنسبة إلى هؤلاء، لا تعني العودة مجرد استعادة سقف يحميهم من البرد، بل استرجاع حياة كاملة تركوها خلفهم.

شارك الخبر: