فلسطين
ثقافة

«أريد أن أحتضن أبي».. صمود سعدات تروي قصة عائلة عانت الأسر جيلاً بعد جيل

شبكة قدس٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٨ م0 مشاهدة
«أريد أن أحتضن أبي».. صمود سعدات تروي قصة عائلة عانت الأسر جيلاً بعد جيل

تنويه

هذا الخبر بعنوان "«أريد أن أحتضن أبي».. صمود سعدات تروي حكاية عائلة امتد إليها الأسر جيلًا بعد جيل" نشر أولاً على موقع شبكة قدس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تستعيد صمود سعدات، ابنة القيادي أحمد سعدات، ذكريات غياب والدها عن العائلة، وتجربة والدتها عبلة مع الاعتقال، وتروي قصة ارتباطها بالأسير عاصم الكعبي وإنجاب طفلها الأول نادر في غيابه. كما تتحدث عن أحفاد يعرفون جدهم من الصور، وعن حضن تنتظره منذ سنوات طويلة.

عاشت صمود سعدات تسع سنوات دون زيارة والدها الأسير أحمد سعدات، قبل أن تتمكن من لقائه خلف الزجاج عام 2015. اعتُقل أحمد سعدات إثر اقتحام القوات الإسرائيلية سجن أريحا عام 2006، وقضى نحو ثلاث سنوات في العزل. تزوجت صمود من الأسير عاصم الكعبي الذي أُعيد اعتقاله بعد الزواج وهي حامل في شهرها السادس. أنجبت صمود طفلها الأول نادر بينما كان والده معتقلًا، مكررة تجربة والدتها عبلة التي أنجبتها ووالدها سجين.

تعيش العائلة اليوم مرحلة قاسية مع عودة سعدات إلى العزل وتوقف الزيارات واقتصار المعلومات على زيارات المحامين.

صمود سعدات لـ«شبكة قدس»: تسع سنوات انتظرتُ فيها رؤية أبي.. واليوم أحلم باحتضانه

منذ طفولتها، لم يكن السجن خبرًا عابرًا في حياة صمود سعدات، بل واقعًا رافق تفاصيل نشأتها وشكّل علاقتها بالعائلة والحياة. عاشت اعتقالات والدها أحمد سعدات ومطاردته، وشهدت اقتحام سجن أريحا واعتقاله عام 2006، ثم أمضت تسع سنوات كاملة دون أن تتمكن من زيارته، قبل أن تعود إلى لقائه خلف الزجاج، في مشهد اختصر سنوات من الغياب والاشتياق.

لم يتوقف حضور الأسر في حياتها عند اعتقال والدها، فقد ارتبطت بالأسير عاصم الكعبي، وانتظرته حتى تحرره عام 2021، قبل أن يعاد اعتقاله بعد زواجهما، وهي حامل في شهرها السادس. أنجبت طفلهما الأول نادر بينما كان والده خلف القضبان، لتعيش تجربة قريبة من تلك التي مرت بها والدتها عبلة سعدات، التي أنجبتها هي الأخرى ووالدها معتقل.

في حديثها تستعيد صمود صورة أحمد سعدات الأب بعيدًا عن حضوره السياسي، وتتحدث عن والدتها التي حملت مسؤولية العائلة في غياب زوجها، وعن الحب الذي نشأ خلف القضبان، والأمومة التي اختلطت بالانتظار، وعن أطفال يعرفون جدهم من الصور والحكايات، فيما لا تزال تنتظر حضنًا حُرمت منه سنوات طويلة.

أحمد سعدات.. الأب خلف صورة القائد

لا تفصل صمود بين صورة والدها السياسية وشخصيته داخل المنزل، لكنها تبدأ حديثها عنه من إنسانيته، فتصفه بأنه أب حنون وصديق وسند، يجمع بين الصرامة في مواجهة الظلم والحرص على أبنائه، ولا يفرض رأيه عليهم مهما اختلفت خياراتهم. وتقول إنه كان يناقشها في تفاصيل حياتها كما يفعل الصديق، ويدعمها في قراراتها، ويعزز ثقتها بنفسها، مشيرة إلى أن أثره ظل حاضرًا في محطات المدرسة والجامعة واختيار شريك الحياة وإنجاب الأطفال، رغم سنوات الغياب.

ولم يغب اهتمامه عن زوجته وأحفاده أيضًا؛ إذ يحرص على الاحتفال بذكرى زواجهما وعيد ميلاد عبلة، ويطلب من أبنائه إهداءها الزهور وكتابة كلمات يمليها عليهم. كما يخصص من مصروفه في «الكانتينا» هدايا لأحفاده توفيق وأحمد وميار بمناسبة تفوقهم الدراسي، رغم أنه لم يلتقِ بهم منذ ولادتهم.

وتشير صمود إلى أن الأيام التي عاشتها مع والدها كانت قليلة بفعل الاعتقالات والمطاردة، لكنها تركت أثرًا عميقًا في شخصيتها، حتى إن اسمها «صمود» ارتبط، وفق ما أخبرتها والدتها، بصموده داخل الزنازين.

من اعتقال أريحا إلى تسع سنوات من الحرمان

كان اعتقال والدها الأخير عام 2006 نقطة التحول الأشد في طفولتها. ففي عام 2002، اعتقلته السلطة الفلسطينية، وكانت العائلة تزوره في سجن أريحا، رغم التناقض القاسي الذي عاشته وهي ترى سجانين فلسطينيين يحتجزون والدها على مدار أربع سنوات. لكن اقتحام القوات الإسرائيلية سجن أريحا في 14 آذار/مارس 2006 كان أكثر اللحظات رعبًا. تستعيد صمود انتظار العائلة أمام شاشة التلفاز لأكثر من 12 ساعة، ومتابعتها هدم غرف السجن وزنازينه، وسط خوف من أن يكون مصير والدها الاستشهاد أو الاعتقال. وتقول إن العائلة كانت تعرف صلابته وعناده في المواجهة، ولذلك كان خوفها الأكبر أن تفقده. وعندما شاهدته ورفاقه يخرجون من بين الركام، اختلطت صعوبة المشهد بالفرح لنجاته.

وتضيف أن العائلة كانت في اعتقالاته السابقة أصغر سنًا، لكن بعد اقتحام أريحا أصبحت أكثر إدراكًا لما يجري، خصوصًا مع عزله ومنع الزيارات عنها. وقبل اقتحام السجن بأيام، وتحديدًا في 8 آذار/مارس 2006، زارت صمود وشقيقتها إباء والدهما بناءً على طلبه. بدا مختلفًا خلال اللقاء، إذ أكثر من السؤال عن حياتهما وخططهما، وأوصاهما في نهاية الزيارة بالاهتمام بنفسيهما وبوالدتهما، في حديث لم تعتد سماعه منه. وتعتقد صمود أنه كان يشعر بقرب لحظة اعتقاله، ولذلك طلب رؤيتهما قبل وقوع الاقتحام.

وبعد ذلك، مرت تسع سنوات دون أن تتمكن من زيارته، قضى نحو ثلاث منها في العزل، قبل أن يخرج منه عام 2012 عقب إضراب الأسرى المعزولين. وفي 20 آب/أغسطس 2015، تمكنت أخيرًا من زيارته مجددًا، بعدما حصلت على تصريح إثر تلويحه بالإضراب عن الطعام احتجاجًا على العراقيل التي كانت تواجه زيارات والدتها وشقيقها. وتصف ذلك اليوم بأنه من أجمل لحظات حياتها، رغم أن اللقاء جرى خلف الزجاج ودون احتضان أو مصافحة، مؤكدة أن رؤية ابتسامته كانت كافية لتمنحها قوة تستعين بها لسنوات.

أما اليوم، فتقول إن العائلة تعيش مرحلة أشد قسوة، مع عودة والدها إلى العزل وتوقف الزيارات، واقتصار ما يصلها عنه على معلومات شحيحة عبر زيارات المحامين. ولم يعد الوجع مرتبطًا بلحظة الوداع بعد الزيارة، بل تحول إلى انتظار دائم لمعرفة ما إذا كان بخير، وما إذا تعرض لاعتداء أو قمع أثر على صحته، خاصة مع تقدمه في السن.

عبلة سعدات.. أم وأب في مواجهة الغياب

في حياة صمود، لم تكن والدتها عبلة مجرد أم تحاول تجاوز غياب زوجها، بل كانت الركيزة التي حافظت على تماسك العائلة. وتصفها بأنها النور الذي أضاء طريقهم، بعدما تحملت مسؤولية تربية الأبناء ورعايتهم في غياب الأب، وحولت الحرمان إلى عطاء وإصرار على بناء أسرة متعلمة ومتماسكة.

وتقول إن والدتها اعتُقلت ثلاث مرات، وفي المرات جميعها كان أحمد سعدات داخل السجن. ففي اعتقالها الأول عام 1987، كانت صمود رضيعة لا يتجاوز عمرها بضعة أشهر، بينما كان إخوتها أطفالًا، وتولت العائلة والأصدقاء رعايتهم. وفي عام 2003، اعتُقلت والدتها إداريًا بينما كان والدها في سجن أريحا، وكانت صمود وإخوتها أكثر وعيًا بمعنى الاعتقال، فحاولوا مواصلة حياتهم رغم غيابها. أما الاعتقال الأخير فكان الأصعب، مع تدهور أوضاع السجون واشتداد قسوتها، ووجود أحفاد صغار اعتادوا رؤية جدتهم والالتفاف حولها. وتروي صمود أن والدتها خرجت بعد أربعة أشهر من الاعتقال الإداري ضمن صفقة، وقد خسرت نحو 16 كيلوغرامًا من وزنها، وبدت عليها علامات الإرهاق الشديد. وتقول إنها منذ ذلك الوقت تسأل نفسها عن حال والدها، متسائلة كيف سيكون جسده بعد سنوات طويلة من الأسر، قبل أن تستدرك بأن ما لا ينكسر هو روح والدها ووالدتها.

حب خلف القضبان.. وأمومة في غياب الأب

لم تكن تجربة الأسر التي عاشتها صمود مع والدها سببًا في الابتعاد عن الارتباط بأسير، فقد تعرفت إلى عاصم الكعبي وهو معتقل، ووجدت في شخصيته قيمًا ومبادئ تتوافق مع ما تؤمن به. وتقول إنها لم تفكر في أنها تكرر تجربة والدتها، بل لفتها أن عاصم، رغم سنوات الأسر الطويلة، ظل قادرًا على التعبير عن إنسانيته ومشاعره، وأن يعيش الحب رغم وجوده خلف القضبان. وكان قد بقي من حكمه البالغ 18 عامًا نحو ثلاث سنوات ونصف عندما ارتبطا. وتتذكر زيارتها الأولى له في سجن النقب عام 2019 بصفتها خطيبته، بعدما كانت تعرفه عبر الصور، ثم انتظارها انتهاء حكمه يومًا بعد يوم، حتى لحظة احتضانه عند الإفراج عنه عام 2021. وبعد تحرره، بدأت مرحلة التعارف الحقيقي وبناء الأسرة، وتقول صمود إنها اكتشفت فيه جوانب جديدة، ورأت أنه مقبل على الحياة والتفاعل مع محيطه، رغم سنوات الاعتقال والابتعاد عن العالم الخارجي.

لكن هذه المرحلة لم تدم طويلًا؛ ففي عام 2022، وبعد عام واحد من زواجهما، أعيد اعتقال عاصم وحُوّل إلى الاعتقال الإداري، وكانت صمود حينها حاملًا في شهرها السادس بطفلهما الأول نادر. وتقول: «أنجبت نادر وعاصم في المعتقل»، موضحة أن لحظة الولادة كانت من أصعب ما عاشته، ليس بسبب الاعتقال وحده، بل لأن طفلها جاء إلى الحياة دون أن يكون والده حاضرًا ليحمله أو يراه. وتضيف أنها بكت كثيرًا، وأن فرحتها بمولودها الأول كانت منقوصة رغم مساندة العائلة والأصدقاء، وفي تلك اللحظة أدركت بصورة أعمق ما عاشته والدتها، التي أنجبتها هي الأخرى ووالدها معتقل.

وترى صمود أن التجربة جعلتها أكثر فهمًا لمعاناة والدتها، وكيف استطاعت أن تواصل العطاء والحب رغم غياب زوجها، وأن تصنع من ظروف الحياة القاسية حكاية عائلة تستمر.

أطفال يعرفون جدهم من الصور

ورغم أن صمود أصبحت اليوم أمًا وزوجة، وبات لها بيت وأسرة، فإن غياب والدها لا يزال حاضرًا في كل مناسبة. وتقول إن الفرح لا يكتمل في حياتهم، فهم يتزوجون وينجبون ويبنون بيوتهم، لكن شيئًا أساسيًا يبقى ناقصًا، هو وجود الأب ومشاركته تفاصيل الحياة. وتبدو آثار هذا الغياب أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالأطفال، الذين لم يعرفوا جدهم إلا من الصور والحكايات. وتصف صمود صعوبة شرح معنى الاعتقال لطفل صغير، وكيف يمكن أن يفهم أن الرجل الذي يحبونه ويظهر في الصور هو جده، لكنه موجود في السجن ولا يستطيع زيارته. وتروي أن ابنها، عندما تسأله عن جده أحمد، يرفع إشارة النصر التي يراها في الصور ويقول: «في السجن». وتؤكد أن هذه التفاصيل موجعة، لأن الغياب لا يتوقف عند الأبناء الذين عاشوا تجربة الاعتقال مباشرة، بل يمتد إلى الأحفاد والأجيال التالية.

وعندما تُسأل عن الأمل بخروج والدها في ظل الصفقات والفرص التي ارتبط اسمه بها، تفضل عدم الإجابة، مكتفية بالقول إن ما عاشته العائلة بين الأمل والانتظار جعل الجرح أوسع والألم أكبر من الحديث عنه. لكنها، رغم كل سنوات الغياب، لا تفقد الأمل بلحظة اللقاء. وعندما تُسأل عما ستفعله إذا فُتح باب السجن غدًا وخرج والدها، بعيدًا عن صفته السياسية ومكانته العامة، تجيب دون تردد: «أول شيء سأفعله هو أن أحتضنه. لا أريد في تلك اللحظة شيئًا آخر. فقط أن أحتضن أبي، لأن هذا الحضن بالنسبة لي يعادل كل سنوات الحرمان والغياب من أب لا مثيل له».

شارك الخبر: