غزة: أزمة الحواسيب تعلّق أحلام الشباب الجامعية والمهنية وسط ارتفاع جنوني في الأسعار


هذا الخبر بعنوان "غزة.. أحلام الجامعة والعمل معلّقة على حاسوب - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قطاع غزة، لم يعد الحاسوب مجرد جهاز إلكتروني، بل أصبح بوابة لأحلام الشباب في التخصصات الجامعية والمهنية. لكن ارتفاع أسعاره، وتزايد صعوبة إدخاله وقطع غياره، يضع الكثيرين أمام خيارات صعبة، تجبرهم على تغيير مساراتهم الأكاديمية أو تأجيل أحلامهم.
طلاب بين الواقع المرير والأحلام المؤجلة
تجد راما أحمد نفسها مضطرة لتغيير تخصصها من نظم المعلومات إلى تخصص لا يتطلب حاسوبًا، بسبب عجزها عن شراء جهاز مناسب. لم تكن راما وحدها؛ فالعديد من الطلبة يواجهون نفس المصير، حيث تحوّل الحاسوب من أداة تعليمية أساسية إلى عبء مالي يفوق قدرة الأسر التي أنهكتها الحرب وتداعياتها الاقتصادية. وبينما يستعد الطلاب لبدء حياتهم الجامعية، يجد البعض أنفسهم أمام ضرورة تأمين ثمن الحاسوب قبل اختيار التخصص، بينما يضطر آخرون للتخلي عن أحلامهم أو تأجيلها، في وقت تتزايد فيه الحاجة للمهارات الرقمية وفرص العمل المرتبطة بها.
سوق عطشى وأسعار تفوق الخيال
تفاقمت أزمة الحواسيب في أسواق غزة، لتشمل الأجهزة الجديدة والمستعملة وقطع الغيار ومستلزمات الصيانة، بسبب تراجع المعروض واستنزاف المخزون المحلي. يقول المهندس محمد صلاح، صاحب أحد محلات بيع أجهزة الحاسوب، إن الأسواق تعاني من تعطش شديد للأجهزة وقطع الغيار، خاصة الشاشات. وتفاقمت الأزمة بعد منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الأجهزة وقطع الغيار، وتدمير كميات كبيرة منها خلال الحرب. كما أدى قصف المخازن والنزوح القسري إلى فقدان مخزون كبير من الأجهزة والمعدات، مما زاد من حدة النقص في السوق.
ويشير صلاح إلى أن الأزمة تزداد تعقيدًا لعدم وجود أفق واضح لانتهائها، وصعوبة الحصول على الموافقات الرسمية لإدخال الأجهزة وقطع الغيار، مما يحد من قدرة التجار على تلبية احتياجات السوق. لا تقتصر التداعيات على أصحاب المحلات الذين يواجهون صعوبة في تأمين البضائع، بل تمتد إلى المستهلكين الذين يدفعون أثمانًا باهظة مقابل أجهزة قديمة أو معدات محدودة التوافر. يضطر التجار لشراء الأجهزة وقطع الغيار بأسعار مرتفعة للحفاظ على استمرارية أعمالهم، مما ينعكس مباشرة على أسعار البيع للمواطنين.
تشير تقديرات متداولة إلى أن أسعار بعض الأجهزة وقطع الصيانة ارتفعت بنسب تتراوح بين 100 و200%، وفقًا لنوع الجهاز واحتياجاته، بل قد تصل الزيادات إلى مستويات أعلى في بعض فئات المعدات التقنية.
طالبة هندسة بلا حاسوب
بالنسبة للطالبة سماهر عثمان، لم تكن خسارة الحاسوب مجرد خسارة مادية، بل امتدت لتؤثر على دراستها الجامعية ومستقبلها الأكاديمي. فقدت سماهر جهازها خلال الحرب، وتجد صعوبة بالغة في استكمال متطلبات دراستها في كلية الهندسة، حيث تعتمد طبيعة تخصصها على برامج هندسية وتصميمات يصعب إنجازها بدون حاسوب.
حاولت سماهر شراء جهاز بديل، لكنها اصطدمت بأسعار تفوق قدرتها المالية. حتى الأجهزة المستعملة لم تعد خيارًا متاحًا بسهولة، بسبب ارتفاع أثمانها وندرة الأجهزة الجديدة. تتذكر سماهر الفارق الكبير في الأسعار قبل الحرب وبعدها؛ فبينما كانت تستطيع شراء جهاز جديد بمبلغ يتراوح بين 400 و900 دولار، تجاوز سعر بعض الأجهزة المستعملة اليوم 1300 دولار، وقد يصل سعر الأجهزة ذات المواصفات الأعلى إلى نحو 2000 دولار.
هاتف محمول لا يعوّض الحاسوب
الشاب حسن سمير، الذي يعمل في مجال مونتاج الفيديو والأفلام، خسر مصدر رزقه بعدما فقد حاسوبه جراء القصف. كان يعتمد على هذا الجهاز في تنفيذ أعماله لصالح مؤسسات خارجية، لكن شراء جهاز جديد بالمواصفات التي يحتاجها يكلف نحو أربعة آلاف دولار، وهو مبلغ يصعب عليه توفيره.
اضطر حسن إلى استخدام هاتفه المحمول لإنجاز بعض أعماله، لكنه يؤكد أن العمل عبر الهاتف لا يتيح له أداء مهامه بالكفاءة نفسها، ولا يمكّنه من تنفيذ الأعمال بالجودة والقدرات التقنية السابقة. بفقدان الحاسوب، لم يخسر حسن أداة عمل فحسب، بل تراجعت قدرته على المنافسة والوفاء بمتطلبات المؤسسات التي يتعامل معها، في وقت يعتمد فيه العاملون عن بُعد على توفر المعدات والاتصال المستقر بالإنترنت للحفاظ على مصادر دخلهم.
تكشف تجربته جانبًا من معاناة العاملين المستقلين في غزة، الذين يواجهون معادلة قاسية: إما دفع آلاف الدولارات لاستعادة أدوات عملهم، أو الاكتفاء بإمكانات محدودة قد تقلص فرصهم في الحصول على مشاريع جديدة.
شلل يضرب الاقتصاد الرقمي
تتجاوز أزمة الحواسيب حدود التعليم والعمل الفردي، لتطال قطاع تكنولوجيا المعلومات الذي كان يُعد قبل الحرب أحد مصادر الدخل وفرص العمل للخريجين في غزة. كان نحو 80% من نشاط قطاع تكنولوجيا المعلومات موجّهًا إلى الأسواق الخارجية، مما أتاح توفير فرص عمل ومصادر دخل بالعملات الأجنبية. لكن الحرب، وما رافقها من تدمير للبنية التحتية الرقمية وصعوبة توفير المعدات، أدت إلى تراجع قدرة القطاع على العمل.
تشير التقديرات إلى أن نشاط القطاع بات يقل عن 25% من مستواه السابق، فيما توقفت أكثر من 70% من شركات تكنولوجيا المعلومات كليًا أو جزئيًا. تأثر نحو 30 ألف مختص في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي بصورة مباشرة، وسط خسائر طالت الشركات ومقار العمل والمعدات، فضلًا عن انقطاع الخدمات الأساسية.
لا يمكن فصل هذه الخسائر عن الأزمة الاقتصادية الأوسع التي يعيشها القطاع، مع اتساع البطالة والفقر وتراجع فرص العمل. استعادة النشاط الرقمي مرتبطة بقدرة المؤسسات والأفراد على توفير الأجهزة والمعدات اللازمة، إلى جانب إصلاح البنية التحتية واستعادة خدمات الاتصال والطاقة.
تظهر آثار الأزمة بوضوح في التعليم الجامعي، ولا سيما التخصصات الهندسية والتكنولوجية، وفي التعليم الإلكتروني، فضلًا عن العاملين في التصميم والمونتاج والبرمجة والخدمات الرقمية. في ظل هذه الظروف، لا تعود خسارة الحاسوب مشكلة فردية، بل تصبح جزءًا من أزمة أوسع تهدد فرص التعلم والإنتاج واستعادة مصادر الدخل، وتضعف قدرة الخريجين والمهنيين على المنافسة في سوق العمل.
سياسة
سياسة
عاجل
ثقافة