فلسطين
سياسة

الأونروا في مرمى النيران: هل تُصفى قضية اللاجئين الفلسطينيين تحت ستار الإصلاح؟

شهاب١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٥٠ م0 مشاهدة
الأونروا في مرمى النيران: هل تُصفى قضية اللاجئين الفلسطينيين تحت ستار الإصلاح؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تقليص عمليات الأونروا.. إجراءات مشبوهة لتصفية الشاهد على الجرائم الإسرائيلية | وكالة شهاب الإخبارية" نشر أولاً على موقع شهاب وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

منذ تأسيسها بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 في ديسمبر 1949، لم تكن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مجرد منظمة إغاثية، بل أصبحت رمزًا للاعتراف الدولي بالقضية الفلسطينية التي لم تلقَ حلًا عادلًا. وُلدت الوكالة كحل مؤقت بانتظار تسوية سياسية تضمن حقوق اللاجئين، لكنها على مدى أكثر من سبعة عقود، تحولت إلى كيان قانوني وسياسي وإنساني يحفظ الذاكرة الفلسطينية ويمنع نسيان قضية اللاجئين في الضمير العالمي. لذلك، فإن الهجوم على الأونروا لا يستهدف مؤسسة أممية فحسب، بل يسعى إلى إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، وتجريده من صفته السياسية والقانونية، وتحويله إلى مجرد حالة إنسانية مجردة من تاريخه وحقوقه. وتندرج ما تتعرض له الأونروا ضمن حرب أوسع تستهدف الوعي والمصطلحات والرواية الفلسطينية، حيث تُستخدم اللغة في الصراع السياسي كأداة لتشكيل التصورات وإعادة صياغة الحقائق. في هذا السياق، تُوظف مصطلحات مثل "الإصلاح الإداري" و"ترشيد النفقات" و"إعادة هيكلة الخدمات" لتوفير غطاء لعملية تفكيك تدريجية تستهدف البعد السياسي والقانوني لمفهوم اللاجئ، بحيث يصبح الحق التاريخي مجرد خدمة قابلة للتقليص أو الإلغاء، ويتحول الوجود الفلسطيني في سجلات الأمم المتحدة من شاهد على قضية سياسية غير محلولة إلى عبء إداري. العجز المالي الذي يُقدر بنحو مئة مليون دولار لا يعكس مجرد خلل حسابي، بل أزمة بنيوية تتداخل فيها الضغوط السياسية مع ضعف التمويل الطوعي. ففي عام 2025، بلغت التعهدات نحو 878 مليون دولار، بينما لم يتم استلام سوى 839 مليون دولار، مما يجعل الخدمات الأساسية لملايين اللاجئين رهينة لتقلبات المواقف الدولية وأولويات الدول المانحة. تتجلى خطورة هذه السياسات بشكل خاص في القدس، حيث شهد يناير 2026 إجراءات إسرائيلية استهدفت منشآت الوكالة، بما في ذلك اقتحام مركزها الصحي وهدم مقرها في الشيخ جراح وقطع المياه والكهرباء عن مرافقها. هذه الإجراءات تتجاوز استهداف الخدمات إلى تقويض الحضور المؤسسي الأممي في المدينة المحتلة، رغم الحصانات التي تكفلها اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946. ولم تكن هذه الإجراءات بمعزل عن القوانين التي أقرها الكنيست في أكتوبر 2024 ودخلت حيز التنفيذ في يناير 2025 بهدف وقف عمليات الأونروا، بل تكشف عن مسار سياسي يستهدف إقصاء أحد أبرز الشواهد الدولية على استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين. تحتفظ الوكالة بسجلات ملايين اللاجئين وتعمل في خمس مناطق عمليات تشمل غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، والأردن ولبنان وسوريا، مما يمنحها مكانة مؤسسية تتجاوز تقديم المساعدات إلى صيانة الحضور الدولي لقضية لم تُحسم سياسيًا. ومع ذلك، يجب التمييز بين استمرار الوكالة وأصل الحق الفلسطيني؛ فحـق العودة لا ينبع من الأونروا ولا يسقط بإلغائها، بل يستند إلى مرجعيات مستقلة كقرار الأمم المتحدة 194. لكن تفكيك الوكالة يضعف أحد أهم الأطر التي حافظت على قضية اللاجئين ضمن النظام الدولي. امتد الاستهداف ليشمل كوادر الوكالة ومنشآتها، حيث أشارت تقاريرها إلى مقتل نحو 390 من موظفيها منذ بدء الحرب على غزة، مما يكشف عن اتساع الفجوة بين الحماية القانونية المقررة للمؤسسات الأممية والقدرة الدولية على إنفاذها. في المقابل، تظل التحذيرات الإقليمية والدولية من تقويض الأونروا محدودة التأثير ما لم تتحول إلى ضمانات مالية وقانونية عملية. أكدت منظمة التعاون الإسلامي ضرورة حماية تفويض الوكالة المستند إلى القرار 302 ورفض المساس بمكانتها. تبرز خطورة الطروحات المتعلقة بنقل صلاحيات الأونروا إلى مؤسسات بديلة تحت عناوين "إعادة هيكلة العمل الإنساني" أو "إدارة إعمار غزة"؛ فالتعاون المؤسسي لا يمنح أي جهة صلاحية إلغاء ولاية أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما أكده رئيس دائرة شؤون اللاجئين، أحمد أبو هولي، بشأن عدم امتلاك مجلس السلام تفويضًا لتغيير ولاية الوكالة. إن حماية الأونروا لا تعني رفض الإصلاح الإداري أو الرقابة المالية، بل منع توظيفهما لإفراغ تفويضها من مضمونه السياسي والقانوني، وهو ما يستوجب تمويلًا مستدامًا، وحماية منشآتها وكوادرها، ورفض أي ترتيبات تنتقص من مرجعيتها الأممية. المعركة الحقيقية ليست حول الجهة التي توزع الغذاء، بل حول هوية الإنسان الذي يتلقاه: هل يبقى لاجئًا صاحب أرض وحق، أم يتحول إلى مجرد حالة إنسانية مؤقتة؟ الأونروا ليست الوطن، وليست بديلًا عن العودة، لكنها شاهد دولي على أن الوطن لم يُنسَ، وأن العودة لم تتحقق، وأن اللاجئ الفلسطيني ليس فائضًا سكانيًا تبحث له السياسة عن مأوى، بل صاحب حق ينتظر عدالة تأخرت أكثر مما ينبغي.

شارك الخبر: