خربة الرأس الأحمر: 47 عائلة فلسطينية تكافح الحصار والجفاف والتهجير القسري


هذا الخبر بعنوان "الرأس الأحمر بالأغوار..47 عائلة في مواجهة الحصار والعطش والتهجير - الرسالة نت" نشر أولاً على موقع الرسالة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خربة الرأس الأحمر جنوب شرقي طوباس، يواجه بسام بني عودة، البالغ من العمر 46 عامًا، صعوبات جمة في الوصول إلى أقرب بلدة مهمة. بعد إغلاق الطرق المؤدية إلى التجمع الفلسطيني، أصبح مضطرًا لركوب دابته للوصول إلى نقطة تستطيع المركبات العمومية بلوغها، ومن ثم استكمال رحلته. هذه الرحلة تختصر جانبًا من التحولات التي فرضها الحصار على حياة سكان الرأس الأحمر، حيث لم تعد الطرق المغلقة عائقًا أمام تنقلهم فحسب، بل امتدت آثارها إلى تأمين المياه والأعلاف، وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية، ووصول الأطفال إلى مدارسهم، وسط تزايد المخاوف من اضطرار مزيد من العائلات إلى مغادرة المنطقة.
يعيش في التجمع نحو 47 عائلة تعتمد أساسًا على الزراعة وتربية المواشي، لكن هذه الأنشطة باتت مهددة بفعل إغلاق المنافذ، وتراجع إمكانية الوصول إلى المراعي، والأضرار التي لحقت بشبكات المياه والأراضي الزراعية. ومع تضييق سبل العيش، يجد السكان أنفسهم أمام ظروف قاسية تجعل البقاء في أرضهم أكثر صعوبة يومًا بعد يوم. يمتلك بني عودة نحو 70 رأسًا من الماشية، تمثل مصدر رزق لعائلته، إلا أن رعايتها أصبحت أكثر تعقيدًا مع صعوبة تأمين المياه والأعلاف والوصول إلى المراعي. لم تعد حركة السكان ومواشيهم تجري وفق احتياجاتهم اليومية، بل أصبحت محكومة بالطرق المتاحة والعراقيل المفروضة على التجمع.
خندق يعزل التجمع
خلال سبتمبر/أيلول الماضي، تصاعدت الإجراءات الميدانية في الرأس الأحمر، مع إغلاق المنافذ المؤدية إلى التجمع وحفر خندق أعاق حركة المركبات، بعد أشهر من أعمال التجريف وشق طريق عسكري في المنطقة. وقال رئيس مجلس قروي الرأس الأحمر، عبد الله بشارات، في مقابلة مع «الرسالة نت»، إن إغلاق المنافذ قيّد حركة السكان ووصولهم إلى أراضيهم ومراعيهم، وفاقم صعوبات تأمين احتياجاتهم اليومية، ولا سيما في ظل اعتمادهم على الزراعة وتربية المواشي كمصدر أساسي للعيش. وأوضح بشارات أن إغلاق المنفذ الأخير زاد من عزلة التجمع، وفرض على الأهالي البحث عن وسائل بديلة للتنقل ونقل احتياجاتهم ومنتجاتهم، في ظروف لا تتناسب مع طبيعة أعمالهم الزراعية والرعوية.
انعكست القيود بصورة مباشرة على تسويق المنتجات الحيوانية؛ إذ اضطر بعض السكان إلى نقل حليب الأغنام على الدواب وعلى مراحل للوصول به إلى نقاط يمكن نقلها منها، بينما أصبح تسويقه أكثر صعوبة وكلفة. ومع تعذر نقله بصورة مجدية اقتصاديًا، توقف بعض المربين عن إنتاجه، ما حرمهم من مورد دخل يعتمدون عليه في إعالة أسرهم. وبحسب بشارات، فإن هذه الإجراءات لا تقتصر على عرقلة حركة السكان، بل تمس قدرتهم على الوصول إلى الأراضي والمراعي والاستمرار في أعمالهم. ويؤكد الأهالي تمسكهم بأرضهم رغم الظروف المتفاقمة، لكن استمرار إغلاق الطرق وتقييد الحركة يجعل توفير أبسط متطلبات الحياة تحديًا يوميًا.
المياه والأعلاف
لم يقتصر أثر الحصار على الطرق، بل طال مصادر المياه وشبكات الري، بالتزامن مع أعمال تجريف وأضرار لحقت بمنشآت زراعية في المنطقة. وأفاد بشارات بأن مستوطنين دمّروا أجزاء من الخط الرئيسي الناقل للمياه إلى التجمع، ما أدى إلى انقطاع المياه عن نحو 30 عائلة من مربي المواشي، وألحق أضرارًا بإمدادات تخدم أراضي زراعية واسعة. وتكتسب هذه الأضرار خطورة إضافية في منطقة تعتمد فيها العائلات على المياه لري المحاصيل وسقاية القطعان، إلى جانب الاستخدامات المنزلية. فتعطل خطوط المياه لا يهدد الاحتياجات الأساسية وحدها، بل ينعكس كذلك على الإنتاج الزراعي والحيواني، في حين تجعل الطرق المغلقة الوصول إلى مواقع الأعطال وإدخال المعدات والاحتياجات اللازمة أكثر صعوبة. كذلك، حُرم مربو المواشي من الوصول إلى مساحات واسعة من المراعي التي اعتادوا الاعتماد عليها، واضطروا إلى البحث عن بدائل لتوفير الغذاء لقطعانهم، بما يفرضه ذلك من أعباء إضافية في ظل تراجع قدرتهم على نقل الأعلاف والمنتجات.
ويضع تضافر هذه العوامل العائلات أمام أزمة معيشية متكاملة؛ فالمياه غير المتاحة تهدد المواشي والمحاصيل، والمراعي التي يتعذر الوصول إليها تزيد كلفة التربية، فيما تعرقل الطرق المغلقة نقل المنتجات وتأمين المستلزمات الضرورية.
عائلات تغادر
في ظل تدهور الظروف المعيشية، لم تعد مخاوف التهجير مقتصرة على التهديدات التي يتحدث عنها السكان، بل بدأت تظهر في صورة عائلات تغادر التجمع تحت ضغط الإجراءات المفروضة عليه. وقال رئيس مجلس قروي الرأس الأحمر، عبد الله بشارات، إن خمس عائلات غادرت المنطقة نتيجة الضغوط المتصاعدة، في تطور يعكس حجم التأثير الذي تتركه القيود الميدانية على قدرة السكان على مواصلة حياتهم. وأشار إلى أن قوات الاحتلال احتجزت جرارًا زراعيًا تابعًا للمجلس القروي، واحتجزت سائقه عدي بشارات أثناء إيصاله الأعلاف إلى المواشي في المنطقة، ما عرقل عملية تأمين احتياجات أساسية للقطعان التي يعتمد أصحابها عليها في معيشتهم. وأضاف أن الإجراءات شملت مداهمة مساكن المواطنين وتفتيشها وتصويرها وفحص هويات السكان، بالتزامن مع استمرار عزل التجمع وإغلاق المنافذ المؤدية إليه. وتتزامن هذه الممارسات مع مخاوف الأهالي من أن يؤدي استمرار الحصار وتراجع مقومات الحياة إلى دفع مزيد من العائلات نحو الرحيل. فبالنسبة إلى السكان الذين يعتمدون على تربية المواشي والزراعة، لا يرتبط البقاء بتوفر المأوى وحده، بل بإمكانية الوصول إلى المياه والمراعي والأراضي والأسواق، وهي مقومات تتقلص فرص الاستفادة منها مع استمرار الإجراءات.
متضامنون مع التجمع
وسط العزلة التي يعيشها سكان الرأس الأحمر، حاول متضامنون أجانب الوصول إلى التجمع للاطلاع على أوضاع العائلات وتقديم المساعدة. وقال بشارات إن متضامنين وصلوا إلى المنطقة وقدموا مساعدات شملت مواد تموينية ومياه، وأبدوا استعدادهم للعودة والعمل على نقل معاناة السكان إلى جهات أخرى. ورغم أهمية هذه المساعدات في تخفيف بعض الاحتياجات العاجلة، فإنها لا تعالج أصل الأزمة التي يعيشها الأهالي؛ إذ ما زالت الطرق مغلقة، والوصول إلى المراعي مقيدًا، وأضرار شبكة المياه قائمة، فيما يحتاج السكان إلى تأمين مستمر للمياه والأعلاف وإمكانية الحركة والعمل. ويواجه التجمع بذلك فجوة بين المساعدات التي تخفف بعض الأعباء الآنية، والاحتياجات التي تتطلب معالجة مستدامة تتيح للعائلات مواصلة حياتها في أرضها، من دون أن تصبح متطلبات العيش اليومية سببًا إضافيًا يدفعها إلى المغادرة.
طريق عسكري
تأتي الإجراءات المفروضة على الرأس الأحمر في سياق أعمال تجريف وشق طريق عسكري في الأغوار الشمالية، يمتد لنحو 22 كيلومترًا، وبعرض يصل إلى 50 مترًا، من محيط حاجز عين شبلي باتجاه حاجز تياسير، مرورًا بأجزاء من سهل عاطوف والرأس الأحمر. وترافقت هذه الأعمال مع أضرار طالت أراضي زراعية ومنشآت ومصادر مياه، فيما يواجه السكان قيودًا على الوصول إلى المراعي والأراضي التي تشكل أساس معيشتهم. وبالنسبة إلى العائلات التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي، فإن تقييد الوصول إلى الأرض ينعكس مباشرة على دخلها وقدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية. ولا تقف تداعيات هذه الإجراءات عند الخسائر الاقتصادية؛ فصعوبة التنقل تؤثر في وصول الأطفال إلى مدارسهم، وتعقّد حركة السكان إلى البلدات القريبة، وتزيد الأعباء المرتبطة بتأمين الخدمات والاحتياجات اليومية. ومع مغادرة خمس عائلات، وفق إفادة بشارات، تتزايد المخاوف من أن تؤدي الضغوط المتواصلة إلى إضعاف الوجود الفلسطيني في التجمع تدريجيًا.
في الرأس الأحمر، تتداخل آثار الحصار لتطال مختلف جوانب الحياة: طرق مغلقة، ومياه تنقطع عن عشرات العائلات، ومراعٍ يصعب الوصول إليها، ومنتجات تتعثر عملية تسويقها، ومربو مواشٍ يكافحون لتوفير الأعلاف لقطعانهم. وبين هذه الأعباء، يحاول السكان الحفاظ على مصادر رزقهم والتمسك بأرضهم، رغم تراجع الخيارات المتاحة أمامهم. وبين العائلات التي لا تزال صامدة وتلك التي غادرت تحت وطأة الظروف، يبقى مستقبل التجمع مرتبطًا بوقف الإجراءات التي تعيق حياة السكان، وضمان وصولهم إلى المياه والمراعي والخدمات الأساسية، وحمايتهم من الضغوط التي تهدد بإجبارهم على ترك أرضهم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة