سوق الحبوب بخان يونس: صمود التاريخ تحت ركام الحرب وإعادة إحياء الذاكرة


هذا الخبر بعنوان "سوق الحبوب في خان يونس.. ذاكرة قرون تنهض من تحت الركام | فلسطين أون لاين" نشر أولاً على موقع فلسطين أون لاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على أنقاض محالّ عتيقة كانت تضج بتجارة الحبوب والتوابل، يحاول تجار سوق الحبوب التاريخي في مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، استعادة ما تبقى من أرزاقهم وملامح مكان ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، بعدما طالته أضرار واسعة خلال الحرب الإسرائيلية الجارية، وحوّلت أجزاء منه إلى ركام. وبين الحجارة القديمة التي تناثرت في الأزقة، والسقوف التي انهارت فوق البضائع، تتواصل محاولات إعادة بناء بعض المحال، مستندة إلى حجارة السوق الأصلية، في مسعى للحفاظ على معالمه التاريخية وإعادة الحياة إلى واحد من أعرق الأسواق الشعبية في القطاع، بالرغم من ضعف الحركة التجارية ومحدودية الإمكانات واستمرار المخاطر الأمنية.
ويقف التاجر ناهض فيصل بربخ، الذي أمضى نحو أربعة عقود في العمل داخل السوق، أمام مشهد يختصر حجم الخسارة التي لحقت بالمكان الذي ارتبطت به حكاية عائلته على مدار أجيال. ويقول بربخ لصحيفة "فلسطين" إن علاقته بالسوق بدأت قبل نحو 40 عاماً، بعدما ورث المهنة عن والده وجده، فيما يواصل أبناؤه العمل في المجال نفسه، لتصل سنوات ارتباط العائلة بالمكان، إلى نحو 120 عاماً. ويضيف أن السوق عاصر عهوداً تاريخية متعاقبة، من العهد العثماني إلى الإدارة المصرية، وصولاً إلى الوقت الحاضر، وظل شاهداً على تحولات المدينة وحروبها، قبل أن تتعرض أجزاء واسعة منه للدمار خلال حرب الإبادة المتواصلة.
لا تقتصر أهمية سوق الحبوب على كونه مكاناً لبيع الحبوب والتوابل وطحنها، بل تمتد إلى دوره التاريخي بوصفه مركزاً تجارياً ارتبط بحركة القوافل والأسواق الشعبية في خان يونس. ويجاور السوق قلعة برقوق التاريخية، التي تمثل إحدى أبرز معالم المدينة القديمة، في حين تكشف الحجارة التقليدية والأرضيات والشواهد المعمارية المتبقية عن طبقات تاريخية متعاقبة مر بها المكان.
ويستعيد بربخ صورة السوق في سنوات ازدهاره، حين كانت القوافل والتجار يفدون إليه من مناطق مختلفة، بينها سيناء والنقب، خصوصاً يوم الخميس، في تجمع تجاري عُرف باسم "سوق الخميس"، وكانت الحركة تمتد بين المحال والبضائع والوافدين من المناطق المحيطة. ويقول إن السوق شهد حربي عامي 1948 و1967، إلى جانب الانتفاضات الفلسطينية وأحداث أخرى، لكنه يرى أن ما حل به خلال حرب الإبادة يفوق، من حيث حجم الدمار، ما عرفه في مراحل سابقة. ويضيف أن السوق الذي اعتاد استقبال التجار والمتسوقين بات شبه مهجور، بعدما دُمرت محال وتضررت أخرى، فيما فقد المكان جانباً كبيراً من حركته التجارية التي شكلت جزءاً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.
داخل أحد المحال التي أعيد بناؤها، يحاول إبراهيم أبو ريدة استعادة نشاطه التجاري بعد خسارة المكان الذي عمل فيه على مدار 12 عاماً. وكان أبو ريدة، وهو من سكان بلدة خزاعة شرقي خان يونس، يستخدم محله لبيع الحبوب وطحن القمح والتوابل والقهوة، قبل أن تجبره حرب الإبادة على النزوح من منطقته إلى رفح، تاركاً وراءه مصدر رزقه ومحتويات متجره. ويقول لـ"فلسطين": إن المحل كان مجهزاً بالبضائع والمعدات، قبل أن يعود بعد النزوح ليجده مدمراً، وقد انهار سقفه واختفت محتوياته، في مشهد بدد سنوات من العمل والاستثمار. ويضيف أن مركز حفظ التراث الثقافي تدخل للمساعدة في إعادة بناء المحل، مستخدماً الحجارة الأصلية التي تعود إلى فترات تاريخية قديمة، ليتمكن من ترميمه واستعادة جزء من نشاطه.
ويضيف أبو ريدة أن المحل عاد إلى الوقوف من جديد، لكنه لا يزال يحاول استعادة عمله تدريجياً، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وحركة تجارية محدودة، لا تشبه ما كان عليه السوق قبل الحرب. ولا تمثل إعادة بناء المحل بالنسبة إليه استعادة لجدران وسقف فحسب، بل محاولة لاسترجاع مهنة ومصدر دخل ارتبطا بحياته على مدار أكثر من عقد، بعدما فقد كثيراً من مقومات عمله خلال النزوح والدمار.
في مواجهة حجم الأضرار التي لحقت بالمباني التاريخية، بدأ مركز حفظ التراث الثقافي تنفيذ تدخلات عاجلة لحماية ما تبقى من المعالم الأثرية في قطاع غزة، والعمل على إنقاذ الحجارة المتناثرة وإعادة استخدامها في ترميم المباني المتضررة. ويقول م. محمد الفرا، من مركز حفظ التراث الثقافي، إن التدخلات بدأت خلال حرب الابادة عام 2024، وشملت مواقع تاريخية عدة، من بينها قلعة خان يونس، حيث جرى جمع الحجارة المتناثرة وتأمينها، قبل الانتقال إلى سوق الحبوب مطلع عام 2025. ويضيف أن محال أثرية عدة في السوق تعرضت لأضرار كبيرة، وبعضها انهار بصورة شبه كاملة، ما استدعى جمع الحجارة الأصلية وتصنيفها وحفظها، تمهيداً لإعادة البناء وفق الأصول والمعايير المعتمدة في أعمال الترميم.
ويوضح الفرا لـ"فلسطين" أن الحجارة المستخدمة في مباني السوق متنوعة، وتشمل الحجر الصخري والكلسي والرملي، ولكل نوع منها استخداماته التقليدية في الواجهات والمباني والقواطع، بما يعكس أنماط البناء التي اعتمدها البناؤون في الحقب السابقة. ويشير إلى وجود شواهد معمارية ونقوش وأختام ولوحات منحوتة تحمل دلالات تاريخية، تساعد في توثيق هوية السوق ومراحل تطوره، وتؤكد أهمية التعامل مع مبانيه باعتبارها جزءاً من ذاكرة المدينة وتراثها العمراني. ويبين أن السوق تشكل عبر فترات زمنية متعاقبة، إذ تشير بعض أرضياته، بحسب المركز، إلى شواهد تعود إلى العهد البيزنطي، فيما تعكس مبانٍ أخرى أنماطاً عثمانية، ثم شهد المكان تطورات خلال الإدارة المصرية والفترات اللاحقة. ويؤكد أن أعمال الترميم لا تستهدف إعادة بناء المحال فحسب، بل حماية ما تبقى من الإرث التاريخي الذي تركته الأجيال السابقة، والحفاظ على المواد الأصلية كلما أمكن، حتى لا يفقد الموقع ملامحه التي تميزه عن المباني الحديثة.
وبالرغم من إعادة بناء بعض المحال، لا تزال الحياة في سوق الحبوب بعيدة عن طبيعتها السابقة، في ظل عودة محدودة للسكان والتجار، ومخاوف من استمرار إطلاق النار والتحليق الجوي بالقرب من المنطقة. ويقول بربخ إن الحركة التجارية لا تزال ضعيفة للغاية، وإن بعض السكان يحاولون العودة تدريجياً من منطقة المواصي وغيرها، لكن قرب السوق من ما يسمى "الخط الأصفر"، على مسافة يقدّرها بنحو 200 إلى 300 متر، واستمرار إطلاق الاحتلال النار، يجعلان الوجود في المكان محفوفاً بالمخاطر. ويضيف أن أصوات إطلاق النار، حتى في ساعات الصباح الباكر، تثير الخوف لدى السكان والتجار، خصوصاً مع وقوع إصابات في المنطقة، ما يحد من قدرة أصحاب المحال على العودة إلى أعمالهم بصورة منتظمة.
ولا تقف العقبات عند المخاطر الأمنية، إذ يشير بربخ إلى أن الخدمات الأساسية ومقومات الحياة تكاد تكون معدومة، في وقت أنهكت فيه الحرب البلديات والجهات المعنية واستنزفت إمكاناتها، ما يجعل إعادة تأهيل السوق مسؤولية تتجاوز قدرة التجار وحدهم. وبين حجارة أُعيد تثبيتها ومحال تحاول فتح أبوابها من جديد، يبقى سوق الحبوب أمام اختبار صعب: كيف يستعيد دوره التجاري ويحافظ على هويته التاريخية في وقت لا تزال فيه آثار حرب الإبادة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية؟ فبالنسبة إلى بربخ، الذي تناقلت عائلته المهنة عبر أجيال، وإلى أبي ريدة الذي يحاول استعادة متجره، لا يتعلق الأمر بإصلاح مبانٍ متضررة فقط، بل بإنقاذ ذاكرة المكان ومصدر رزق أهله. وإلى أن تستعيد المدينة أمنها وخدماتها وحركتها الاقتصادية، ستظل محاولات الترميم خطوة أولى في طريق طويل، يسعى فيه التجار والعاملون في حماية التراث إلى إبقاء سوق الحبوب حياً، شاهداً على تاريخ خان يونس، وذاكرةً لا تمحوها الحجارة المتساقطة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد